| سوق النفاق |
|
|
|
|
عبد الله نافع عانت الأمة الإسلامية طويلاً من أزمات حضارية متعددة، كانت سبباً رئيساً في تخلفها وضعفها، وهيمنة أعدائها عليها، وجوهر هذه الأزمات الحضارية الخانقة، تكمن في الفكر لا في الوسائل؛ إذ إن الأمة الإسلامية تمتلك من وسائل النهضة، وأدوات الحضارة ما يؤهلها لقيادة العالم كما كانت سابقاً، وهذا التشخيص للأزمة الحضارية في العالم الإسلامي، هو ما أفصح عنه المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي؛ إذ يقول: “إن أزمة العالم الإسلامي منذ زمن طويل لم تكن أزمة في الوسائل، وإنما في الأفكار...”. ومن أعظم الأزمات الفكرية الضاربة بجذورها الغليظة في عمق الحضارة الإسلامية هي مسألة “الإرهاب الفكري”، ذاك الناب الحاد الذي مزق فكر الأمة، والمخلب البشع الذي جرَّح وجهها المشرق، وما تزال الحضارة الإسلامية مثخنة بالجراح من جراء آثاره الخطيرة الذي ذاقت منه الأمرَّين. إنه “الإرهاب الفكري”، الذي يقمع كل قول يخالف سلطته الدينية، أو ينازع قوته السياسية، كما مارسه الإرهابيون الأُوَل بقولهم: (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْـمَرْجُومِينَ)، (الشعراء: 116). إنه ذلك الأسلوب نفسه الذي يمارس تسفيه وتحقير كل رأي لا يوافق هوى آبائه أولاً، أو لا يناسب ذوق أجداده؛ إذ قد قال أصحابه قديماً: (أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا)، (يونس: 78). وما تزال معركة المصلحين مع أزمة “الإرهاب الفكري” قائمة لا يهدأ سُعارها، ولا يخبو شررها؛ ذلك لأن الإرهاب الفكري شديد الصلف، كثير السرف، نزق طائش؛ فما من وسيلة قذرة إلا استعملها؛ فها هو ذا يجيِّش جيوشه، ويجمع جموعه من المتملقين و”المتمصلحين” والغوغاء والرعاع لقمع الرأي الذي لا يراه، ولقطع اللسان الذي لا يعجبه، حتى يخيل للبسطاء السذج أن الناس قد أجمعوا على قوله، وما هو صنيعة إرهابه، وثمرة مكره؛ إن العلماء الأحرار والمصلحين الأبرار هم من يتصدى لهذا الطوفان الهائج، والشيطان المارد، مستندين في ذلك إلى موقف الإسلام من الفكر الحر؛ فلقد كان أُسّه وأساسه تحرير العقول والنفوس من عبودية غير الله تعالى، وبناءً على هذا الأساس متع أتباعه بالحرية في كل قول، وفي كل فكر بنَّاء؛ فقواعده تقرر أصالة الإباحة في كل شيء، ومقاصده تؤكد على حرية الإنسان في فكره، ما لم يصادم ضرورة من ضرورات الإسلام القطعية، وهذا القيد قيد عادل؛ لأنه من لوازم العقد المبرم بين المسلم وربه، المتمثل في شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه والة وسلم؛ فالعدالة تحتم علينا الوفاء لهذا القيد، وعدم تجاوزه ما دمنا مسلمين. وقد استنبط العلماء قاعدة فقهية جليلة ترسخ مفهوم الحرية الفكرية بقولهم: “الاجتهاد لا يُنقَض بالاجتهاد” ولبشاعة الإرهاب الفكري في التعاليم الإسلامية، نفَّر منه الإسلام، حتى مع المخالفين له جذرياً، وهذا القرآن الكريم مليء بالمناظرات العلمية مع خصومه في جو تسوده الحرية والأمن الفكري؛ إذ يقول الله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). |