|
اعداد: المنتدى هل يمكن للمراقب أن “يقرر” مطمئنا انهيار إيديولوجيا العولمة التي استمرت منطقا للسياسة والاقتصاد أكثر من ثلاثة عقود؟ من الطبيعي ألا نستطرد في شرح منظومة العولمة ولا فلسفتها العامة فقد أريق حبر كثير حول هذا الموضوع. وباختصار شديد فان القسمات الرئيسة للعولمة تعني إمكانية السوق التجاري ان يكون "منطقا وضابطا" لحركة المجتمع والنظام الدولي بأسره. لقد ساد انطباع واسع وعميق ان الاقتصاديات الرأسمالية خلقت عالما "نهائيا" لا يمكن العودة عنه ولا يمكن التفكير في بدائل له. وبالفعل فقد جاءت العولمة وكأنها تتويج لفلسفات موت الإنسان عندما يحل السوق بدل هذا الإنسان. وبهذا المنطق تكون التجارة ومراكمة النقود وتنميتها القاسم المشترك الأعظم للثقافات إذ لا مشروعية للثقافة تقاوم هذه المسيرة إلا وقد حفرت قبرها بيدها حسب دعاة هذه النظرية. ليس ذلك فقط فقد وضع مؤرخون وأساتذة مرموقون ما اعتبروه نهاية للتاريخ. لقد اقفل التاريخ بقفل وابتلعت الرأسمالية مفتاحه فلا يمكن لأية نظرية أو اقتصاد أو دين ان يكتشف مغاليق هذا الكون دون ان يعود صاغرا أمام الإله الجديد: السوق وقوانينه. وحتى صراعات المستقبل فإنها حروب بين الثقافات بعد ان حسمت الموضوعة الرئيسية في تبوء الاقتصاد مركز تخطيط العالم وتنحي الإنسان عن ذلك.
وبتحول الإنسان إلى حيوان اقتصادي ماهر وذكي فان الثقافات العاجزة عن إدراك هذا المعنى سوف تقف بوجه الثقافات الأخرى المتطورة والقادرة على إنتاج اكبر الكميات من السلع واستهلاكها فتنشا اثر ذلك "حروب حضارات" على هذه الأرضية من الخلاف وليس كما يحصل في السابق. بدأت منذ منتصف الثمانينات جملة من العوامل الثقافية والاقتصادية والسياسية تحاول الخروج على هذا الاصطفاف المفروض إجباريا على الجميع بقوة الرأسمالية العالمية. وحتى هذا الخروج لم يكن اختياريا فقد أضعفت العولمة اقتصاديات بعض البلدان مما سبب انهيارها "مثل المكسيك" فيما ذهبت دول أخرى إلى إبقاء دور الدولة والمحافظة عليه بقوة مع الأخذ بأسباب التحديث الاقتصادي "الهند والصين والبرازيل". وحدثت المفاجأة الكبرى بعد انهيار جدار برلين وظهور النزاعات ذات الطابع القومي والديني. لقد خرجت بعد هذا التاريخ (24) دولة على أساس قومي غطى عليها سابقا غبار الشيوعية وتفاجأت بها ريح العولمة الجديدة. وفي كل هذه التطورات بقي الدين الإسلامي ثابتا في منظومته القيمية وقادرا ان يكون ملهما للغالبية العظمى من الشعوب التي تؤمن به في كل أنحاء الأرض. كل هذه العوامل وأخرى غيرها شكلت دوافع "أنطقت" الخجولين أو الخائفين من نقد العولمة. أطلقت هذه الأحداث لسان الكثير من الكتاب والباحثين والمفكرين الذين اعتبروا العولمة إيديولوجيا قمعية ناعمة تمارس تأثيرها لصالح بضعة من الرأسماليين الكبار في كل دولة من دول العالم لصالح "رأسمالية عالمية" أو معولمة تملك اغلب ثروات العالم وتستطيع المضاربة بكل شيء ويمكنها شن حروب بين الدول والتحكم بأسعار الطاقة والتأثير على تسعيرة المواد الأولية وإدخال الهندسة الوراثية المعدلة في الصناعات الغذائية والزراعية وتوجيه الفنون والآداب الوجهة التي تخدم منظومة الربح.. الخ. العولمة مشكلة لذاتها شبه أحد الكتاب الغربيين العولمة بإبليس الذي أغوى ادم وحواء وانزلهما الأرض ثم تركهما "يغوصان" في ممكنات المعاصي وصعوبات العيش ومشكلات القصور الإنساني. والعولمة بتنميطها ثقافات الشعوب وفق المركزية الغربية ودمج اقتصاديات هذه الشعوب بالمركز الغربي أيضا قدمت لذلك تفسيرا سعيدا ومبهجا ان الغرب قادر على "هداية" الشعوب الأخرى المتخلفة وان الاستعمار نفسه كان حدث الدول التي تعد الآن متطورة أو قريبة من ذلك. وبالنتيجة فقد انساقت بعض النخب السياسية والثقافية وراء هذه المقولة وأدخلت مجتمعاتها أنفاق العولمة دون حساب للنتائج أو للمستقبل. ويمكن ان نقسم هذه الحكومات والنخب بحسب موقفها من هذا الاندماج في العولمة إلى قسمين رئيسين: 1. فقسم من هذه النخب تملكه يقين كاذب بان الغرب هو ترياق المدنيات والحضارات أو الطريق إلى النهضة والثراء والتصنيع لابد ان يمر عبر التجربة الغربية. ليس ذلك فقط وإنما عملت هذه النخب على تكييف أو تطويع أو "تقويض" الثقافات المحلية لتتوافق مع النظم الغربية في كل شيء. وابرز الأمثلة على ذلك التجربة البورقيبية في تونس والشاهنشاهية في إيران. فقد ألغى بورقيبة الجمعة كعطلة رسمية وزاد عليها خلفه بان جعل العطلة يومي السبت والأحد كي تبقى الدوائر التونسية مفتوحة لتتعامل مع المصارف وشركات الطيران الغربية التي تعطل في هذين اليومين على الأغلب. كما اعتبر بورقيبة صيام شهر رمضان "فولكلورا" أو تاريخا عبر عن مرحلة زمنية كان فيها الغرب "وليس المسلمون" بحاجة إلى هذا التدريب على الفقر وشظف العيش. أما وقد جاوز العرب عصر المجاعات فلا حاجة بهم إلى الصيام وتحمل مشاقه. فالدين عند بورقيبة فولكلورا وطنيا وليس وحيا إلهيا. كذلك فعل الشاه الإيراني الذي أحيى السنة الفارسية وأقام مراسم الإحياء وسط مظاهر البذخ والمجون وحارب الدين الإسلامي وعلماءه وشعائره. لقد سقط الاثنان في وحل أخطائهما وأصبحا جزء من ذاكرة التاريخ الكئيبة وفتراته الصعبة على الشعبين والتي ما زال الشعب التونسي واقعا تحت صعوباتها. أما النوع الآخر من النخب التي ألغت نفسها وذاتها فهي النخب "الشوارعية" التي لم تصدق نفسها ووجودها في السلطة فراحت تعبث بكل الأشياء ودون أي اعتبار لمقدس أو تراث أو حقوق للشعوب والأفراد. وابرز من يمثل هذا الصنف من النخب هو الحكم البعثي الساقط في العراق. لقد جاء صدام وعصابته من الشوارع الخلفية للمدينة ومن أزقتها المشبوهة وفي غفلة من الزمن تسلقوا سور السلطة حتى تمكنوا منها. فأصبح هذا المجرم الشاذ رئيسا تحت إمرته قادة الجيوش والإعلام والأساتذة وموارد مالية هائلة. لقد أدرك بحس البدوي الفطري ان بقاءه في السلطة والذي يفتقد لأية شرعية يرتبط بالغرب. ولهذا السبب فقد اتجه نحو هذا الغرب بشقه الشيوعي اليساري أولا ثم الغربي الرأسمالي ثانيا. لقد كان يبعث برقية إلى القادة السوفيت ويذيلها بلقب الرفيق. وبعد فترة اخذ يرقص مع ابنة جاك شيراك بطريقة الروك اند رول وفي فترة ثالثة كتب الله اكبر على العلم العراقي وقاد الحملة الإيمانية!. مثلت هذه النخب عبئا كبيرا على تاريخ شعوبها وحركة التطور وأعطت الانطباع فعلا بعولمة الرأسمالية وانتصارها. الرأسمالية روح العصر يقتضي الواقع ومصداقية البحث ان نذكر ان الرأسمالية قد حققت انجازات ليست مسبوقة للإنسان في كل تاريخه البعيد والقريب والمعاصر. ويعود الفضل للرأسمالية في الغالبية العظمى من الأفكار والنظم والتقنيات التي نتداولها في هذه الأيام. أطبقت الرأسمالية روح المغامرة والفردية والتنظيم الفائق للحياة. استطاعت أيضا القضاء على المجاعات والأوبئة والحد من الكوارث الطبيعية وأوجدت وقتا كبيرا للفراغ يستمتع به الإنسان ويتعرف أكثر على الفنون الجميلة والآداب. وبما ان لكل شيء وجهين فان الوجه الآخر للرأسمالية تمثل في الحروب التي خاضتها قوى الرأسمال وأفنت الملايين من البشر. بالإضافة إلى موضوعة العولمة التي يمكن تعريفها "مرة أخرى" بأنها أعلى مراحل إيديولوجيا الرأسمالية "الفتاكة". كانت الرأسمالية في بدايتها وليدة عصر الأنوار والنهضة فانبثقت من صلبها النقابات وتنظيمات حقوق الإنسان وحاز الإعلام على قوة تستطيع الإطاحة بأي حاكم في الغرب حتى أصبح الحكام يخشونها أكثر من الجيوش و"المؤامرات". إلا ان الوجه الآخر للرأسمالية تغلب على هذا الوجه البناء فأصبحت نرجسية الغرب عنوانا لحروب يشنها وأفكارا يزدري بها ثقافات واديان الآخرين. وفي كل الأحوال نجد اصواتا إنسانية رائعة داخل الأنظمة الرأسمالية تعبر عن إيمان بالعدالة حقيقي وتدافع عنه بطريقة شريفة وفدائية. مستقبل مجهول لا يمكن التنبؤ بما يمكن ان يحدث في المستقبل وكيف يمكن ان يتم إعادة تشكيل العالم. ولا يمكن بهذا الصدد الركون بسذاجة وسطحية إلى فكرة أفول الحضارة الغربية فهذا الكلام يعتبر مبكرا جدا استنادا إلى الوقائع والحقائق الثابتة على الأرض. والمهم في كل ذلك ان يمارس المسلمون دورهم في إعادة التشكيل المقصود ويضيفوا لهذا العصر عنوانا يذكر العالم بهم بعد رقدتهم الطويلة. |