مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

الســـماء رفعها ووضـــع الميزان PDF طباعة أرسل لصديقك

المنتدى

حينما يتحدث الباري عز اسمه عن السقف الذي خلقه للناس ورفعه لهم فإن الحديث يتم عن السماء الواسعة باعتبارها السقف الرفيع الذي يتحرك البشر- كل البشر- في أجوائه من دون أن يتمكنوا مهما تعالوا وارتفعوا من بلوغ أوجه ومنتهى علوه، فيقول سبحانه: (والسماء رفعها ووضع الميزان) “الرحمن 7”.

في آية أخرى ببقية مظاهر الإتقان والنظم في هذا الوجود فيقول: (الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون) “الرعد 2”.
وحينما نتحدث- نحن البشر- عن طبيعة السقوف التي يستظل بها الإنسان في حراكه سنجد أن الإنسان يحدد خياراته في هذا الشأن ضمن مسارات ثلاثة هي:
أولا: حراك بلا سقف: والعاقل من الناس لا يمكن أن يتحرك حركة هادفة وقاصدة من دون أن يكون له سقف يستظل بظله، لأن وجود السقف يعني في ما يعنيه تحقيق أمور ثلاثة لحركة الإنسان، هي: الحماية أولا، والهدفية ثانيا، وتحديد المتطلبات ثالثا.
ومن يتحرك بلا سقف يعني أنه يتحرك بلا ضوابط في العراء، فتكون حركته مكشوفة ومنفتحة على كل الاحتمالات، والتي يمكــن أن تخترقها وتقضي عليها، لأن السقف هو أشبه ما يكون بنظام حماية، يشكل غطاء حافظا يحمي حركة الفرد والمجتمع من أن تنفـــذ إليها جراثيم الوعي، التي تعمل على تدمير الوعي الذاتي للإنسان بما تتطلبه الحركة من هدفية وقصد، وما تستدعيه من وضوح وبصيرة، وما تستلزمه من ثبات والتزام.
ثانيا: حراك بســـقف هابط: والسقف الهابط يعيق الحركة ويجمدها، ولا يدفع الإنسان للاستمرار والمواصلة في العمل والسعي، كما أن السقف الهابط يعني في ما يعنيه أن يرضى الإنسان بوضعه الذي هـــو عليه، من دون أن يحرك ساكنا من أجل تطوير أدائه وعمله، ورغم أن ذلك يبدو كتوقف في حركة الإنسان، إلا أنه حينما يطول ويستمر يتحول إلى طبيعة ثابتة تجر الإنسان إلى التراجع إلى الوراء والسقوط في الهاوية، وهو ما يتبلور كنتيجة نهائية في سعي الإنسان حينما يخير بين التسامي والتسافل، فالوقوف عند نقطة ثابتة يعني في ما يعينه الموت بشكل تدريجي وبطيء، وهـــو ما ألمح إليه الباري في ما خاطب به من يستثقلون عــن الجهــاد في سبيل الله تعالى، إذ يقول: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحــياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخــرة إلا قليل* إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير) “التوبة 38-39”.
ثالثا: حراك بسقف عال: يجده الإنسان رحبا ومتسعا على الدوام، كلما أدرك أفقا فيه انفتح له أفق آخر، فيظل ينشد الأفق الجديد، وهكذا تستمر به الحــياة والحركة، من كــمال إلى آخر، إلى أن يلقــى ربه الذي يكدح إليه كدحا، تحقيقا لقوله عز وجل: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) “الإنشــقاق 6”.
ولقد وضع الله تعالى رسوله الكريم (ص) قدوة للمؤمنين ممن يريدون مواصلة الحركة في الطريق إلى الله تعالى من دون أن يتوقفوا عند حد معين، أو يكتفوا بقدر مقدر من الكمال، فقال في ما خاطبـــهم به: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) “الأحزاب 21”، وليس ذلك إلا لأن رسول الله (ص) يمثل أعلى سقف بشري في الكمال وخصال الخير والجمال، فكان الأجدر بأن يكون سقفا عاليا للأمة، تتمثل أخلاقه وقيمه في كل شؤونها.
ومن أروع وأجمل وأعلى السقوف التي بناها الإسلام والدين والرسول الكريم (ص) للأمة المسلمة هو العقل، الذي تجلى مضمون وجوهر الرسالة الخاتمة في اعتباره غاية من وراء كل تشريع وحكم، فقال سبحانه: (إنا أنزلناه قرآنا عــربيا لعلكم تعقلون) “يوسف 2”، وقال: (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون) “غافر67”.
وفي الحديث عن رسول الله (ص): لكل شيء آلة وعدة وآلة المؤمن وعدته العقل، ولكل شيء مطية ومطية المرء العقل، ولكل شيء غاية وغاية العــبادة العقل، ولكل قوم راع وراعي العابدين العقل، ولكل تاجر بضاعة وبضاعة المجتهدين العقل، ولكل خراب عمارة وعــمارة الآخرة العقل، ولكل سفر فسطاط يلجأون إليه وفسطاط المسلمين العقل).
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home محطات الســـماء رفعها ووضـــع الميزان
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة