| عوائق قبول الآخر في منظومتنا التعليمية |
|
|
|
|
خالد صمد أفرزت منظومتنا التعليمية وتفرز دائما عقلية الخوف من فكر الآخر واتخاذ مواقف مسبقة منه وغياب القدرة على النقد والتحليل والتفكير، وأعتقد أن مما يحول بين المرء وعقله أربعة عوائق لا تكاد تسلم منها منظومتنا التعليمية ولا سبيل لرقيها إلا بإزاحتها. يمكننا أن نناقش الحيثيات التطبيقية لهذه الفكرة والإمكانات التربوية لإدماجها في كتبنا المدرسية، والمحاذير المتوقعة، وفي أي مستوى دراسي يمكن أن يكون ذلك، وبأية شروط، غير أنه لا يمكن بحال أن ننكر ميزة إدراج الرأي المخالف في مناهجنا التعليمية لما فيه من مناعة وقوة في بناء المعرفة لدى الطلبة، ألا ترى أن القرآن الكريم عرض أقوال إبليس وأتباعه من الكافرين، وجعلها آيات نتلوها ونتعبد بها، ونأخذ على ذلك أجرا وتصح بها صلاتنا، دون أن تضيق بها صفحاته، وهو الكتاب التعليمي الأول الذي لا مبدل له ولا نظير. 2- السقوط في الدفاع العاطفي عن كامل المنتوج الحضاري للمسلمين دون تمحيص ولا نقد، إذ تجد المدرس أو مؤلف الكتاب المدرسي يتحرج من طرح بعض الهنات المسجلة في تاريخنا الفكري، ويسقط في تبرير ما لا يبرر، وتبجيل ومدح كل المواقف دون تمحيص للأخطاء ولا كشف عن الزلات، وليس هذا من منهج الإسلام في شيء، فقد اشتهر عن علمائنا من المجتهدين قولهم : “كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر في إشارة إلى المقام المكرم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”، وكذلك اهل البيت(ع) الذين اكدوا على الحقيقة التالية في مناسبات مختلفة: “ما وافق كتاب الله تعالى وسنة رسوله (ص) فهو مذهبي وما خالفهما فاضربوا به عرض الحائط”. في ضوء ذلك لا يمكننا أن نعلم ناشئتنا تقديس ما لا يقدس والتسليم بكل فكر ينسب إلى عالم المسلمين وربطه بالإسلام جملة وتفصيلا، لأن من شأن ذلك أن يجعل هذا الدين العظيم يهن في نظر أبنائه حين يكتشفون في تاريخه أخطاء ارتكبها باسمه بعض رواده ونسبوها إليه تبريرا وتسويغا، أو كانت اجتهادات صالحة لزمانها ولم تعد كذلك اليوم، أو أخطاء لم ينتبه إليها أصحابها في حينها فأخذوا بالأجر الواحد. ينبغي أن نربي في أبنائنا محبة العلماء وتقدير جهودهم والبحث عن النقط المضيئة في أخلاقهم وسيرهم، والاقتداء بسننهم في الاجتهاد والتضحية والإنتاج العلمي، كما ينبغي أن نعلمهم أن نقد الفكر له شروطه وآدابه وأن حرية إبداء الرأي مكفولة، وأن تجريح الأشخاص مذموم ومستقبح، لكن الخطأ كل الخطإ أن نسقط في تقديس الأفكار والآراء واعتبارها منزهة عن النقد وإعادة النظر. 3- السقوط في مطبة تبني الأفكار والأحكام المسبقة من الفكر الآخر لمجرد نسبته لغير المسلمين، فهذا انغلاق مذموم ينعكس سلبا على انفتاح الآخرين على الفكر الإسلامي ذاته، في حين أن البحث عن الصواب حيث يكون، والأخذ بالحكمة ولو من فم المخالف، واعتبار المنتوج العلمي البشري مجالا للبحث والاختيار في ضوء مقاصد الإسلام وغاياته الكبرى التي تستدمج كل اجتهاد إيجابي نافع هو المسلك القويم، فإذا نظرنا إلى القرآن الكريم وجدناه يقص علينا من قصص الأمم المختلفة ما يعتبر مجالا واسعا لأخذ العبرة والمثل، وإذا نظرنا إلى سنة المصطفى (ص) لوجدناه يوجه بعض صحابته إلى تعلم اللغات الحضارية السائدة في عصره كالسريانية والفارسية للاطلاع على حضارتهم، وإذا تصفحنا تاريخ الخلفاء الراشدين والائمة من اهل البيت (ع) لوجــــدناهم قد أدخلوا من تجارب الأمم الأخرى في تنظيم الدولة مثل سـك النقود ونظام الجبايات والبريد وغير ذلك من النظم الإدارية، وإذا اطلعنا على تاريخ الفكر الإسلامي لوجدنا اهتمام المسلمين بالترجمة من خلال تأسيس دار الحكمة في المشرق ومدارس قرطبة في المغرب، ولوجدنا حوارات مفتوحة بين فطاحل العلماء والفقهاء المسلمين وغيرهم من الأحبار والرهبان من الشرعتين اليهودية والنصرانية، كل ذلك بهدف إبراز سماحة الإسلام وقوة سلطانه الفكري والعقائدي، وفي الآن نفسه الاستفادة من كل اجتهاد يخدم البشرية ويرقى بها إلى أحسن حال، ولم يكن هؤلا يضيقون ذرعا بالفكر المخالف، ولا يسارعون إلى اتهام أصحابه بالزندقة والشذوذ، لأن ذلك علامة على الانهزام، وهنا نقول: إنه كلما كانت المعرفة الإسلامية لدى المتعلمين محصنة بالقدرة على الحجاج الهادئ الذي هو ثمرة البناء الفكري السليم كلما اختفى العنف اللفظي والعناد الفارغ الذي يعلوه الصراخ والعويل كسلاح للعجزة والمتخاذلين، وليس الفكر الإسلامي بحاجة إلى مثل هذا الزبد. 4- ترسيخ فكرة صراع الأديان في أذهان التلاميذ، فكل يهودي معتد بإطلاق في نظر الكثير من المسلمين، وكل مسلم أممي في ذهن اليهودي يجوز سلب ماله وتشريده في الأقاصي، وكل النصارى أعداء لهذا الطرف أو ذاك، والحال أن مثل هذه الأفكار لا يستفيد منها إلا المتربصون بالدين عموما، الذين يخلطون المفاهيم ويساوون بين الجلاد والضحية، وغايتهم المثلى تحييد الدين عموما عن الحياة، وأقصر طريق إلى ذلك ترسيخ فكرة ربط الدين بالصراعات والخلافات، في حين أن الدين رحمة مهداة للناس، ينظم حياتهم ويضمن تعايشهم وتعارفهم، ويكون الحوار ولا شيء غير الحوار هو الأسلوب الأمثل لتعاملهم وإلى الله تعالى بعد ذلك مصيرهم ومعاذهم. ولئن كان القرآن الكريم قد تحدث عن المغضوب عليهم والضالين، وتحدث عن شدة عداوة اليهود للذين آمنوا، وأن كثيرا من الأحبار والرهبان ياكلون أموال الناس بالباطل، فإن تلك الأوصاف بالاستقراء مرتبطة بالأفعال الصادرة عن هؤلاء والمخالفة لتعاليم التوراة والإنجيل ذاتها، ولا علاقة لها بروح تعاليم موسى وعيسى (عليهما السلام)، وقد ذم الله تعالى في القرآن الكريم تصرفات الظالمين والمنافقين والمعتدين والمطففين والخائنين والمسـتكبرين ممن هم في دائرة عقيدة الإسلام أيضا، لأنهم خالفوا تعاليمه بأفعالهم، كما ذم غيرهم من اليهود والنصارى دون أن يكون لذلك علاقة باليهودية والنصرانية كشرعتين منزلتين في مسيرة نزول شرائع الإسلام، والجامع في كل ذلك مخالفة تعاليم الدين والخروج عن مقتضياته. |