| حب الجمال |
|
|
|
|
محمد تقي إن مسألة الجمال في عالمنا اليوم وبين سائر الشعوب والأمم المتقدمة تحظى باهتمام كبير، بحيث ان الشعوب على مختلف طبقاتها وفئاتها كثيرا ما تبدي علاقتها بالجمال وحبها له، وحب الجمال هذا والشعور به هو في تصاعد مستمر. ان الناس يرغبون في أن يكون كل شيء حولهم جميلا، يعيشون في منازل جميلة ومرتبة ويرتدون أجمل الملابس ويزينون الوجه ويسرحون الشعر ويقتنون أجمل الأثاث ويركبون أجمل المراكب ويغرقون منازلهم بأجمل الزهور والورود ويقتنون من الطاولات وحتى صيدليات المنازل أجملها، فالأموال التي تصرف اليوم في البلدان المتطورة على الجماليات والكماليات إن لم تكن أكثر مما يصرف على ضروريات العيش فإنها دون شك لا تقل عنها.ازدهار الثقافة وإدراك الجمال: ما لاشك فيه أن ازدهار الثقافة وارتفاع مستوى التعليم في أي مجتمع كانا يشكلان عاملا مؤثرا في تنمية الحس الجمالي ورفع درجة حب الجمال لدى ذلك المجتمع، ولكن يجب أن لاننسى الدور الهام الذي أداه ويؤديه مشاهير الكتاب والشعراء بفضل حسن أقلامهم وتفتح قريحتهم في تنمية حب الجمال لدى الناس، فهؤلاء قد أدركوا جمال الطبيعة من مختلف جوانبها بنظرات ثاقبة وذوق رفيع، واستوقفتهم مشاعرهم وأحاسيسهم عند كل مالم تدركه عامة الناس، وهم يقومون بدورهم بتجسيد رؤاهم في قالب شعري وعبارات وجمل غاية في الجمال والإبداع، ونقلوها إلى المجتمعات مصورة في لوحات فنية رائعة أسهمت في تفتح حس الجمال لديها. جمال الطبيعة: و”طبعا هناك أناس بدائيون وأطفال وأشخاص غير مثقفين ممن ينشدون إلى أنكر الأصوات وأفقع الألوان لا يترك فيهم جمال الغابات والأشجار وجمال غروب الشمس أدنى أثر”. إن حب الطبيعة والاستمتاع بجمالها أخذ يشق طريقه نحو التكامل بفضل مؤلفات مشاهير الكتاب وأشعار عظماء الشعراء ولوحات كبار الفنانين والرسامين. إن كثيرا من الناس كانوا قبل “جان جاك” يجهلون جمال الجبال، وكانوا قبل “ريستآل” لا يعرفون لجمال قطع الغيوم الليلية التي تسبقها نسمات منعشة معنى. إذن كان لهؤلاء الادباء والفنانين الأثر البالغ في تفتح ذوق الإنسان وإحساسه، وجعله يدرك جمال العالمين الخارجي والداخلي الذي لم يكن قبل ذلك يدركه أو يعرفه”. تنمية حس الجمال: من الواضح أن الشعور الفطري بالجمال لا يكفي وحده لتذوق وإدراك كل أنواع الجمال الطبيعي والفني، بل ينبغي تنمية هذا الشعور الفطري ليكون في ظل التربية الصحيحة أبعد آفاقا وأدق تحديدا لجمال الموجودات. إن طاقة إدراك الجمال كالطاقة الفكرية والسجايا الأخلاقية وقوة البيان والبلاغة وحسن الخط وغيرها من الطاقات كامنة في الإنسان، والتربية الصحيحة هي سبيل إلى تفجير هذه الطاقات وخروجها إلى العلن، إن طاقة إدراك الجمال إذا أهملت وبقيت دون رعاية وتربية وتنمية صحيحة فإنها ستبقى في ذات صاحبها ولن ترى النور أبدا. تكامل الإحساس: إن إدراك الجمال مرتبط كل الإرتباط بتكامل الإحساس وتنمية المشاعر لدى الناس، وكلما ارتفع مستوى العلم والمعرفة والثقافة في بلد ما كلما تفتح شعب ذلك البلد وتفجرت طاقته ومشاعره، وأصبح يفرق بين الجمال الطبيعي والجمال الزائف ويسمو فيه الشعور بلطافة الكائنات الجميلة وظرافتها. “أن الشعور بالجمال لا يولد بالصدفة رغم وجوده في ذاتنا، ففي بعض العصور الغابرة وفي ظل ظروف معينة كان هذا الشعور يبقى حبيس النفس دفينا، حتى انه لدى بعض الشعوب التي كانت قديما تعرف هذا الشعور وتحس به، يضمحل ويموت”. أن الجمال ربما وجد في الطبيعة أو برز في آثار فنية صنعها الإنسان، ولكن حتى يصبح بمقدور الإنسان أن يعيش الجمال ويدرك الجمال الطبيعي وطبيعة الجمال ينبغي عليه أن يهتم بتنمية هذه الطاقة في نفسه. فمعرفة العالم الخارجي هي عبارة عن معرفة الذات، ولهذا قيل: إن وجه كل شيء يختلف عند الأشخاص، كل حسب مستواه الثقافي. |