| أسلمة الاقتصاد |
|
* من أُسسِ بناء الدولة نظامُها الاقتصاديّ. والمفروض في العالم اليوم شكلٌ أحاديٌّ من ذلك النظام، سمّه رأسماليّاً، أو رأسماليّاً متوحّشًا، أو غير ذلك. فماذا عن النظام الاقتصاديّ في (الدولة الإسلاميّة)؟ -ثمة نظامٌ إسلاميّ يقوم على أساسٍ واقعيّ عادل. فالإسلام ألغى الرّبا لأنّ النظريّة الإسلاميّة تقول إنّ المال لا يُنتج المال؛ إذ حين أُقرضكَ مالاً، فإنّ هذا المال لا يُنتج لي مالاً. وأما في الإسلام فهناك نظامُ المضاربة، وهو التزاوجُ بين العمل والمال: شخصٌ يَمْلك رأسمالاً ولا يملك عملاً أو خبرة، وشخص ثانٍ يملك العملَ والخبرةَ لكنه لا يملك رأسمالاً، فيتشاركان على أساس أن يكون لكلّ واحد منهما نصيبٌ من الربح إذا حصل؛ وإذا لم يحصل الربح، فالخسارة على رأس المال، لا على العامل لأنه خسر عملَه أصلاً. هذا النظام هو البديلُ عن نظام الرِّبا لأنه يوجِد للعامل حقّاً من خلال عمله في رأس المال الذي هو ملْكٌ للآخر، ويجعل لرأس المال أيضًا حقّاً لأنه قَدّم للعامل فرصةَ الكسب. وحرّم الإسلامُ الغشّ، والنصبَ، وأكْلَ المال بالباطل، وما إلى ذلك. ثم إنّه لم يسلّط أحدًا على ثروات البلد؛ فالمعادن والبترول وغيرُ ذلك هي ملْك الأمة، ولا بدّ أن تُصرف من قِبل وليّ الأمر أو النظام الحاكم على مصالح الأمّة. ولذلك كلّه نعتقد أنّه لو طُبّق النظامُ الإسلاميّ لكان نظامًا عادلاً من الناحية الاقتصاديّة.ما العمل عندما تتعارض الشريعةُ المنبثقةُ من النصّ مع حقوق الإنسان الفرديّة؟ من أين تأتي حقوقُ الإنسان الفرديّة؟ هل تأتي من ذاتيّاته الشخصيّة؟ المفروض أن الذاتيّات تتنوّع؛ فلكلّ إنسان ذاتيّاتُه التي تنطلق من أهوائه وأطماعه وأوضاعه الشخصيّة. ولكنّ هناك نظامًا أخلاقيّاً ينظر إلى مصلحة المجتمع كلّه، سواء من الناحية المعنويّة أو الماديّة أو من نواح الأمن وما إلى ذلك. في مثل هذه المسألة نقول إنّ للإسلام نظامًا في حقوق الفرد، بمعنى ألاّ تطغى هذه على حقوق الجماعة.وللإسلام أيضًا نظامٌ أخلاقيّ يُنقذ الإنسانَ من ظلمه لنفسه ومن إضراره بنفسه، إذ لا حريّة للإنسان في أن يُضرّ بنفسه: ولذلك حرّم اللهُ الخمرَ لأنّه يضرّ بالإنسان عقليّاً (فيجعله غيرَ عقلانيّ لمدة معيّنة) أو صحّيّاً؛ وحَرّم القمارَ لأنّه ليس الوسيلة الطبيعيّة للحصول على المال؛ وحَرّم المخدّرات.بل إننا أفتينا بتحريم التدخين لأنه قد يصل بالإنسان إلى حدّ التهلكة أو الضرر البالغ. وكذلك أطلقْنا فتاوى في تحريم ما يفعله بعضُ الشيعة من ضرب رؤوسهم بالسيف أو ضرب ظهورهم بالسلاسل وما أشبه ذلك.والإسلامُ حَرّم الزنا أيضًا لأنّه يَعتبر أنّ العلاقات الجنسيّة لا بدّ أن يكون لها نظامٌ داخل الحياة الزوجيّة. كما حرّم الاعتداءَ على الآخر؛ فلا يجوز للزوج أن يعتدي على زوجته مثلاً، لأنّ ما يحْكم العلاقةَ بينهما هو العقل، فليس للزوج حقّ على زوجته إلاّ بما يقتضيه عقدُ الزوجيّة.والإسلام لم يعد الحريّةَ الجنسيّةَ من حقوق الفرد مثلاً. كما لا يرى من حقّه الزواجَ المثليّ، الذي هو مخالفٌ للطبيعة لأنّ موقع العمليّة الجنسيّة لم يهيّأ في جسد الإنسان لهذا...إذنْ هناك حريّاتٌ فرديّةٌ بالفعل، لكنْ لا بدّ أن تخضع للنظام الأخلاقيّ والاجتماعيّ العامّ، بحيث لا تُضرّ بسلامة المجتمع ولا بقيمه الروحيّة والإنسانيّة.* للاستيضاح فقط، أباح النصُّ القرآنيّ للزوج في علاقته مع زوجته أن يضربها...-هناك مسألة في العلاقة الزوجيّة يَفْرضها العقدُ الزوجيّ، وهي مسألةُ حقّ الزوج في الاستمتاع بزوجته ليحفظَ نفسَه من الانحراف الجنسيّ، أي الزنا. كما أنّه جعل للزوجة الحقَّ في الجنس أيضًا: فنحن نرى أنّ لهنّ مثلَ الذي عليهنّ بالمعروف؛ فكما أنّ للزوج حقّاً على زوجته بالجنس، فإنّ لها حقّاً في الجنس أيضًا.لكنْ لو امتنعت الزوجةُ عن منح الزوج حقَّه الجنسيّ، فماذا يفعل وقد مَلَكَ ذلك الحقَّ بالعقْد وبموافقة الزوجة بإرادتها عليه، وهو عقدٌ يرتكز على أساس المسألة الجنسيّة؟ القرآن يقول: (اللاتي تخافون نشوزَهنّ فعِظوهنَّ). إذنْ، حاوِلْ (أيّها الزوج) أن تبيِّنَ لزوجتك أنّ هذا النشوز يفْسد العلاقةَ الزوجيّة، وأنه قد يضطرّه إلى أن يبحث عن زوجةٍ ثانيةٍ أو عن علاقةٍ غير شرعيّة أو غير ذلك. وبعد ذلك حاولَ النصّ أن يتطوّر في المسألة، فإذا بالزوج يهْجر زوجتَه وينام في مكان آخر. لكنّ ذلك لم ينفعْ، فماذا يفعل؟ هل يرفع الأمرَ إلى المحاكم؟ هل تضع المحكمةُ في غرفة النوم شرطةً تجْبر الزوجةَ على الاستجابة لزوجها؟ هذا غير واقعيّ. إذنْ، بيْن أن نهدمَ الحياةَ الزوجيّة، فيرحلَ الزوجُ لأنّ الزوجة لا تقْبل، وبين أن نحافظ عليها، أباح النصُّ أن يضربها ضربًا غيرَ مبرّح، ضربًا (تربويّا). فإذا انتهت المشكلة يقول النصّ: (فإنْ أطعْنَكُم فلا تَبْغوا عليهنَّ سبيلاً).المسألة، إذنْ، من باب الضرورة، لا من باب الحالة الطبيعيّة. وإلاّ فليس من حقّ الزوج مطلقًا أن يَضْرب زوجته لأنها لم تقم بشغل البيت (فهذا ليس حقّاً يفرضه العقدُ) أو بتربية الأولاد أو بإرضاع الأولاد أيضًا.ومن الأمور التي قد يستغربها الناسُ أنّ للزوجة الحقَّ في أن تَطْلب أجرًا كأية عاملةٍ على شغل البيت، حتى في ما خصّ إرضاعَ الأولاد. لكنّ الإسلام ينصحها بأنّ الزواج غير قائم على الجانب القانونيّ (فجعل بينكم مودّةً ورحمةً)، لأنّ الزوج يضحّي وهي تضحّي.وقد صدرتُ قبل مدّةٍ فتوى أثارت الجدلَ في الواقع الإسلاميّ كله، وهي أنّه إذا اعتدى الزوجُ على زوجته بالضرب المبرّح الذي يؤدّي إلى كسور وأضرار، ولم تكن لها طريقٌ للهروب أو الاحتماء، فلها أن تدافع عن نفسها بضربه (فمن اعتدى عليكُمْ فاعتدُوا عليه).إنّ الضرب الناشئ من امتناع الزوجة عن إعطاء حقّ زوجها الجنسيّ هو لمصلحة الزوجة أولاً، حتى لا يسعى الزوجُ إلى إشباع رغبته الجنسيّة خارج البيت، الأمرُ الذي سيُحْدث تأثيرًا سلبيّاً في الحياة الزوجيّة. وهذا بالطبع مشروط بألاّ يكون للزوجة عذر (عذر نفسيّ فوق العادة أو عذر صحّيّ...). لو انعكست الآية، والزوجُ هو من امتنع عن زوجته... لها الحقّ في حال عدم اقترابه منها، إذ يُعتبر هذا خطيئةً شرعًا. لكنّ الضرب لا يفيد في هذه الحال، لكونها غيرَ قادرة على الحصول على حقّها عندما تَضرب الرجلَ (فالقضيّة تنطلق من واقعيّة المسألة). وللزوجة أن ترفع أمرَها إلى الحاكم الشرعيّ، وله ـ وهو المجتهدُ العادل ـ أن يطلّقَها إذا طلبت الطلاقَ، لأنّ زوجها لم يقم لها بحقّها الجنسيّ (أو لم ينفقْ عليها). |