| التعليم الديني |
|
*هل تؤيّدون التعليم الدينيّ في كلّ المدارس، ومن ثم فرز المتعلّمين تلقائيّاً خصوصًا في المدارس المختلطة؟ وما ضوابطُ مثل هذا التعليم؟-لعلّ المشكلة هي أنّ التصوّرات الدينيّة لدى الأجيال الطالعة، بشكل عامّ، لم تنطلقْ من وجدانٍ دينيّ متوازن في المعرفة الدينيّة. فهي كثيرًا ما تأخذ هذه المعرفةَ من بيتٍ جاهلٍ على طريقة (إنّا وَجدْنا آباءَنا على أمّةٍ وإنّا على آثارِهِم مُقْتدون). ومن هنا فإنّ تصوّرهم الدينيّ يتحرّك في خطّ العصبيّة، في خطّ المفردات التي تجعل من الدين مشكلة لا حلاً. وهذا ما ألاحظه في الواقع الإسلاميّ الذي يتوزّع على سبّ المذاهب الإسلاميّة، إذ أرى نموّاً في العصبيّة يجعل المسلمَ حاقدًا على المسلم، وفي قضايا التكفير أو التضليل، أو في قضايا الإساءة إلى الشخصيّات المقدّسة. وبهذا فإنّ مسألة التعليم الدينيّ في المدارس أمرٌ ضروريّ، شرطَ أن ينطلق من الخطوط العامّة للدين من أجل بيان العقائد الأساسيّة التي تَربط الأديانَ بعضَها ببعض، والتي تؤكّد المسألةَ العقائديّة في الخطّ الثقافيّ لا الغريزيّ. وعندها لن يكون الدينُ مشكلة بل حلاّ. * بالحديث عمّا يقرّب الأديان، هل تعتبرون أنّ الإصلاح الدينيّ مدخلٌ إلى حوار حقيقيّ بين المذاهب الإسلاميّة، وبين الإسلام والأديان الأخرى؟ أمْ أنّه سيُنتج مثلَ هذا الحوار؟-علينا أولاً أن ندرس مَنْ المُصلِح. ذلك لأنّ المُصلح من الناحية الرسميّة، كما ذكرنا، قد يَختزن في نفسه الكثيرَ من الإفساد الدينيّ بفعل الإرث العصبيّ الذي ورثه في بيئته عن آبائه وأجداده. وعند تصوّر الإصلاحَ الدينيّ، لا بدّ أن نركّز على بعض الأمور.أوّلاً المنهج القرآنيّ الذي خاطب به اللهُ أهلَ الكتاب عندما قال: (قل يا أهلَ الكتاب تعالوْا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينَكم ألاّ نَعْبدَ إلاّ اللهَ وألاّ نشركََ به شيئًا ولا يتّخذَ بعضُنا بعضًا أربابًا من دونِ الله).فهنا نلاحظ أنّ القرآن أكّد أنّ هناك أرضًا مشتركةً بين الإسلام من جهة، واليهوديّة والنصرانيّة اللتين يعبَّر عن أتباعهما بـ (أهل الكتاب) من جهةٍ أخرى؛ فهو يدعوهم إلى أن نلتقي على الكلمة السواء، وهي وحدانيّة الله، وعلى الوحدة الإنسانيّة، وهي ألاّ يكون الإنسانُ ربّاً للإنسان ومستعليًا عليه. وفي حين تَشهد التفاصيلُ العقيديّة، وفي مسألة توحيد الله تحديدًا، خلافًا بين أتباع الأديان، فإنّ القرآن يتحدّث عن التوحيد: (قلْ هوَ اللهُ أحد اللهُ الصمد لم يلِدْ ولم يولدْ ولم يكنْ له كُفُوًا أحد)؛ في حين ينطلق المسيحيّون في صلاتهم باسم الآب والابن والروح القدس إلهٌ واحد، وهو يعني تثليثَ الأقانيم للوصول إلى الإله الواحد؛ ويُنسب إلى اليهود أنهم يقولون عزير بنُ الله. فالقرآن، إذنْ، ركّز على ضرورة أن نلتقي عند مواقع الوفاق، ونتركَ التفاصيلَ للحوار.وفي الدائرة الإسلاميّة ذاتها نجد أنّ الله سبحانه وتعالى يقول:(واعتصِموا بحبلِ اللهِ جميعًا ولا تَفَرّقوا واذكُروا نعمةَ اللهِ عليكمْ إذْ كنتمْ أعداءً فألّفَ بين قلوبِكم فأصبحتُمْ بنعمتِهِ إخوانًا وكنتم على شفا حفْرةٍ من النارِ فأنقذكم منها).ثم يؤكّد أنه قد تكون هناك خلافاتٌ بين المسلمين في الأبحاث الكلاميّة، وفي الحسن والقبح العقلييْن، وفي قضيّة الخلافة والإمامة، وفي النظرة إلى الشخصيّات التي يقدّسها فريقٌ من دون آخر، وفي غير ذلك من المسائل الفقهيّة التي يلتقي فيها المسلمون الشيعةُ والسنّةُ بنسبة تسعين في المائة، لأنهم إذا خالفوا مذهبًا التقوْا في المذهب الثاني.وعلى هذا الأساس يقول الله (تبارك وتعالى): (فإنْ تنازعتم في شيء فرُدُّوه إلى الله والرسول). فما دمتم أيها المسلمون تؤمنون بالكتاب والسنّة، فادرسوا في اختلافاتكم ماذا يقول الكتابُ لتلتقوا عليه، وما تقول السنّةُ الصحيحةُ الثابتةُ عن النبيّ لتلتقوا عليها، واعتمدوا الأسلوبَ العلميّ، وتحرّكوا بالحوار الموضوعيّ العقلانيّ لدرس القضايا من مصادرها، ولا تحاولوا أن تتحرّكوا في خلافاتكم كي يسجِّل كلّ فريقٍ نقطةً على الفريق الثاني؛ بل المسألة هي كيف يمكن أن نلتقي على القضايا التي توحّدنا وتقارب بيننا إذا لم نستطعْ أن نتوحّد.ونلاحظ أنّ القرآن الكريم يؤكّد الجانبَ الإنسانيّ في قضيّة الحوار بين الأديان، فنقرأ: (ولا تُجادلوا أهلََ الكتابِ إلاّ بالتي هيَ أحسنُ إلاّ الذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهُنا وإلهُكم واحد ونحن له مسلمون) و(ادعُ إلى سبيلِ ربّكَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلْهم بالتي هي أحسن)، و(وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن).فالإسلام يريد من أتباعه عند حوارهم مع أهل الكتاب أن يجادلوهم بالأسلوب الذي يَفتح العقولَ والقلوبَ. واللغة التي تُستخدم في هذا المجال هامّة، لأنّ بعض الكلمات قد يثير العصبيّةَ، والبعضَ الآخرَ يثير التفكير: فعندما أختلف معك، هناك فرقٌ بين أن أقول لك (إنكَ لا تفهم) وأن أقول لك (إنّ هناك وجهة نظر تختلف عن وجهة نظرك). النتيجة واحدة، لكنّ الكلمة الثانية تثير فيك التفكيرَ، بينما الأولى تثير العصبيّة.* بالحديث عن شخصيّة (المصْلح)، ظهرتْ في بدايات القرن الماضي شخصيّاتٌ إصلاحيّة، مثل الأفغاني وعبْده. كيف تقرأ الحركة الإصلاحيّة التي بدأها هذان الشيخان؟-بعد سقوط الخلافة العثمانيّة، حاول عبده والأفغاني أن يفتحا آفاقًا جديدةً لفهم النصّ القرآنيّ أو السّنَّتيّ. وربما نسجّل بعضَ الملاحظات على بعض منهج عبده، الذي حاول أن يُخضع الكثيرَ من المفردات القرآنيّة للاكتشافات الحديثة. أما بالنسبة إلى الأفغاني فقد حاول أن ينفتحَ على الوحدة الإسلاميّة في العلم الإسلاميّ، حتى يلتقي المسلمون على الفكر الأصيل الذي يجمعهم من خلال الكتاب والسنّة. ولذلك نعتبر أنّ هذين القياديين استطاعا أن يمثّلا بدايةَ عصر النهضة.ثم نشأتْ بعدهما (حركةُ الإخوان المسلمين) على يد حسن البنّا، الذي كان وحدويّاً لأنه كان يقول إننا نلتقي على ما اتفقنا عليه ويعْذر بعضُنا بعضًا في ما اختلفنا فيه (ونحن نعلّق فنقول: بل يحاور بعضُنا بعضًا في ما اختلفنا فيه، على أساس النصّ القرآنيّ في ردّ الأمر إلى الله ورسوله).ثم جاءت حركةُ التقريب بين المذاهب الإسلاميّة التي قادها الشيخ محمد تقي القمّي، بإشراف المرجع الدينيّ السيّد حسين البروجُردي في إيران، والعلماء الأزهرين مثل الشيخ عبد المجيد سليم والشيخ محمود شلتوت. وأعتقد أنّ هذه الحركة لو قُدِّر لها أن تمتدّ لاستطاعت أن تركّز الخطّ الإسلاميّ الأصيل من الناحية الثقافيّة، ومن الناحية الاجتماعيّة والسياسيّة في الاتجاه السليم.* ألا تعتقد أنّ أحد معوّقات الوصول إلى هذا الحوار وجودُ دولٍ ترعى مذاهبَ معيّنةً؟-من الطبيعيّ أنّ هناك دولاً ترتكز في سلطتها على المؤسّسة الدينيّة المتعصّبة، التي تكفّر المسلمين من السنّة أو الشيعة لمجرّد وجود اختلافاتٍ في تفسير آية أو حديث، الأمرُ الذي أكسبها قوّةً في واقع البلدان التي تَحْكمها. ونَذْكر في هذا المجال الفكرةَ الوهّابيّة التي يعتمد عليها الحكمُ في ذلك البلد، وربما في بعض بلدان الخليج. بل سمعنا أخيرًا أنّ مسؤولاً في ذلك البلد طالب المسلمين الشيعة بأن يحترموا المذهبَ السّنّيّ السلفيّ، ومعناه الوهابيّ الذي تأخذ به أكثريّةُ الشعب السعوديّ.وقد نُقل عن بعض المسؤولين أننا لا نستطيع الاصطدامَ بعلماء الدين لأنّهم يمثّلون القوّة التي يرتكز عليها النظام. ومن الطبيعيّ أنّ ذلك أدّى إلى نشوء منظّمات كـ (رابطة العالم الإسلاميّ)، وبعض هيئات العلماء من أهل السنّة وربّما من الشيعة أيضًا، والتي أكّدت المفردات المثيرةَ للعصبيّة كـ (التكفيريين) في جانب، أو (التفسيقيين) في جانب آخر، أو الإساءة إلى مقدّسات هذا الفريق أو ذاك. ونحن نَعْرف من خلال الشعار الذي انطلق به الاستعمارُ البريطانيّ، (فرِّقْ تسُد)، أنّ الدول الكبرى التي تعتمد في ثرواتها ومصالحها على الثروات الطبيعيّة الموجودة في العالم العربيّ، وربّما في العالم الإسلاميّ، لا يمكنها أن تنال استقرارَها وحريّتَها في تحقيق مصالحها إلاّ من خلال الخلاف بين المسلمين الذين يمثّلون الأكثريّةَ في تلك المناطق. ولقد عاش السنّةُ والشيعةُ تاريخًا طويلاً من الخلافات، التي ربّما أدّت إلى الكثير من المآسي؛ وهو ما دفع، بدوره، إلى اختلاط الجانب السياسيّ بالجانب الدينيّ، وتحرّك فيه جانبُ التخلّف بجانب العلاقات الدوليّة، أو علاقات الحاكمين الذين هم شبهُ أمّيين.* سماحة السيّد، بعد هذا العمر الطويل في الاجتهاد، كيف ترى مستقبلَ إصلاح الفكر الدينيّ الإسلاميّ؟-لستُ متفائلاً، ولستُ متشائمًا بدرجة كبيرة. أعتقد أنّ قضيّة المذهبيّة العصبيّة في الواقع الإسلاميّ تتحرّك في خطّيْن. الأوّل هو خطّ الوعي الثقافيّ الذي لا بدّ أن نركّز عليه، وأن نفتح آفاقَه في الواقع الإسلاميّ، ليفهمَ المسلمون دينَهم على أساس ما يوحِّدهم لا على أساس ما يمزّقهم ويفرّقهم، وبحيث تكون الخلافاتُ الاجتهاديّةُ مصدراً غنًى لا فقر؛ ذلك لأنّ المجتهد إذا كانت له وجهة نظر في فكرةٍ ما، في الجانب العقيديّ أو في الجانب الفقهيّ، فإنه ينطلق (كما ذكرنا) من الثقافة التي أَنتجتْ هذه الفكرة.ولذلك فإنّ الاجتهاد الإسلاميّ، هنا وهناك، يمثّل إثراءً للثقافة الإسلاميّة، لأنّ المسألة هي مسألة الخروج من التخلّف الذي يعيشه المسلمون في الداخل، ومن الأميّة الثقافيّة التي تشمل الكثيرَ من المسلمين، ومن السطحيّة في فهم الأشياء، ومن الانفعال الذي يسيطر على المسلم أمام بعض القضايا الحسّاسة في تفكيره وواقعه. والخطّ الثاني هو مسألة التحرّر من ضغط الدول الكبرى، ولا سيّما أمريكا والاتحاد الأوروبيّ. فهذه الدول قد تبقى من خلال الأشخاص الذين وظّفتْهم ليكونوا حاكمين في البلاد الإسلاميّة، ولينفّذوا خططَها في الإبقاء على الخلاف بين المسلمين، وربّما أكّّدوا حكمَها لأنّ المسلمين إذا توحّدوا في بلادنا فربما يتوحّدون ضدّها وضدّ ظلمها واستكبارها. لهذا أصبحت المسألة الإسلاميّة مرتبطةً بالمسألة السياسيّة: فإذا استطعنا أن نتحرّر سياسيّاً، استطعنا أن نتحرّر أيضًا في وحدتنا الإسلاميّة. |