| عبد الكريم قاسم.. بلا قاسمية الأعماق الثقافية لظاهـــرة الزعامة السياســـية |
|
جمعة عبد الله مطلك من مظاهر الخلل الجسيم في الحياة والثقافة العربية ذلك الاقتصار الذي تمارسه النخب الأكاديمية في عزل العقل والفكر السياسيين عن الواقع مما يفضي الى انتكاس الممارسة السياسية وغلبة الفوضى في المجتمعات ثم سيطرة الثقافات الفرعية ومليشيا العنف وهي كلها مظاهر لضعف الثقافة النقدية وعدم تاصلها كممارسة جوهرية ترتبط بالحياة ذاتها، حاضنة فكرة التقدم باستلهام التاريخ والتعامل مع الوقائع المتعينة. واجزم هنا ان اسماء مرموقة مثل البروفيسور محمد جابر الانصاري “البحرين والعلامة علي الوردي” العراق “والدكتور جمال حمدان “مصر” وغيرهم لا يعرف بهم طلبة وحتى بعض اساتذة الاكاديميات في علوم الاجتماع والنظرية السياسية والانثربولوجيا، وعدا عن انجازات مرموقة لهذا الثلاثي في مجالات مختلفة فان ما يخص موضوعنا هو الانجاز الذي قدمه كل منهم في اضاءة الاعماق والبنى الثقافية للظاهرة السياسية العربية والاسلامية وعلى اختلاف توجهاتهم وايديولوجياتهم فان المشترك الاعظم بينهم هو البحث العلمي الدقيق والصبر على النتائج ثم تقديم الحصيلة العلمية التي تعين المثقف العام فضلا عن صانع القرار في تبين الطرق التي اوصلت الظاهرة السياسية المحلية الى الاستعصاء والطريق المسدود واسلمت شعوب المنطقة بالتالي الى العدم السياسي الذي اتاح للاصوليات المختلفة العبث بقوانين الوجود والمستقبل. وفي موضوعة تطور العراق الحديث ووصول قوانين تطوره الى هذا الاستعصاء والنفي الذي يعيشه العراق كل يوم وكل ساعة من الاستهتار بقيم الحياة فاعتقد انه بحاجة دائمة الى دراسة اولا الاسباب التي افضت الى محورية السياسة في الحياة وثانيا النقد المزدوج في ملاحظة الينابيع الثقافية التي ادت الى هذا الوجود حتى يسهل بعد ذلك تعريتها امام الناس والصفوة لتكون الكلمة كما ارادها الله تعالى عنوانا لحرية الانسان وقيمة الحق في الجماعة. (2)هنا لا اعرف الحدود التي يمكن ان يقود اليها مدخل السايكولوجيا الفردية في دراسة حركة وتطور التاريخ والاجتماع الانسانيين لكن ذلك يمكن ان يكون مقبولا وضروريا احيانا لفهم ظاهرةالزعامة وبالاخص في مجتمعات العالم الثالث , وبغير مزالق كثيرة يكاد يكون من المؤكد في ادبيات الفكر السياسي “اليساري واليميني” التركيزعلى دور الفرد الاختزالي او المؤثر بالسلب او الايجاب في التاريخ بصيغ واحتمالات مختلفة يمكن ان تنطبق مثاليا على احداث (14) تموز في العراق فالبداية التي اعتقدها صحيحة للحديث عن تموز ستكون شخصية الزعيم عبد الكريم قاسم سواء بدوره في الحركة او صفاته الشخصية او تلك الطريقة التي تعاملت بها الحكومات الاقليمية والقوى السياسية والاجتماعية والدينية في المنطقة والعراق انطلاقا من حدود تلك الشخصية وتوجهاتها وما صنعته على الارض واقعا وفعلا وما حاولت من اعادة رسم لخرائط القوة والثروة في بلد تبدو الظاهرة السياسية فيه شديدة التعقيد ومرتبطة في العمق والحقيقة بمحذورات لغوية وتابوهات فكرية وطائفية غير مسموح المساس بجذورها او حتى مجرد تسمية تلك الجذور والامتدادات. وفي رمال السياسة المتحركة لدول الاستعارة يبدو الحديث عن التاريخ وحتى القريب منه تأويلا للحاضر ومحاولة لفهمه او التاسيس وفق هذا الفهم لمشتركات سياسية او اجتماعية او ثقافية جديدة، وصحيح ان شخص عبد الكريم قاسم قد دخل الذاكرة والضمير العراقيين بقوة وصلت الى حد ادخال صورته القمرفي ميثولوجيا السياسة الشعبية العراقية لكن المؤكد ان البحث عن قاسم و(14) تموزالان هو مشغل يخص الحاضر العراقي وتداعياته اكثر من “اعادة الاعتبار” للزعيم" المغدور"وحتى اعادة الاعتبار تلك على فرض توفرها فانها ايضا تخص التعامل مع ندبة لقطاع واسع من الضمير العراقي الذي ساءته طريقة قتل الزعيم. وفي الحقيقة فليست طريقة قتل الزعيم فقط هي ما اساءت لذلك الضمير وانما اساسا ما حصل بعد ذلك من تداعيات حتى هذه اللحظة، ان البحث عن (14) تموز هو الى درجة كبيرة البحث عن قاسم و يعني في المحصلة الطريقة التي تدير بها النخبة السياسية العراقية الامور، الامر الذي يحيلنا الى مواصفات تلك النخبة وظروف نشأتها وعوامل استمرارها، وسوف انطلق من مقولة واحاول بعد ذلك البرهنة عليها بحدود فهمي وتصوراتي للقضية فانا اعتقد انه لا يمكن فهم الظاهرة السياسية في العراق دون الرصد التاريخي لتاثير طبقة الاوليجاركية العثمانية في السياسة والاقتصاد والثقافة. وللاوليجاركية العثمانية -العراقية بعض من الفرادة من جهة التكوين والوظيفة والاستمرار فهي اولا نتاج التفاهمات الملتبسة الغامضة بين القوى السياسية والسلالات التي حكمت تحت مظلة الخلافة الاسلامية ابتداء من سقوط بغداد (656) للهجرة وحتى قبلها ثم رست بعد ذلك على التقاليد السلطانية العثمانية خلال ما يربو على الاربعة قرون حكمت فيها الخلافة العثمانية بغداد بقيم ومفاهيم السلطنة التي مزجت في الحالة العراقية المملوكية ونظام الاقطاع الزراعي و احتكار المناصب السياسية والتجارة والثروة وحتى طقوس العبادة , وما يزيد هذه الحقيقة رسوخا أنها جرت تحت سقف النزاع العثماني الصفوي ولذا فأن طبقة المستفيدين “ألاوليجاركية” نمت في ظل صراعات الطوائف والمذاهب الذي غذاها الصراع الصفوي العثماني وخاصا في القرنين ألاخيرين من عمر الامبراطورية العثمانية , فكان التصاق هذه الطبقة بالقيم العثمانية سواء في فهم الاسلام أو توزيع الثروة والتعامل مع الخصوم المختلفين قد ربط تلك الاوليجاركية بالطائفية التي احترفت التسنن مقابل الاكثرية الشيعية والقومية العروبية مقابل الشريك الكردي في الوطن وشكل ذلك أطارا عاما من جهة وجودها محركا للعملية السياسية والحراك الاجتماعي داخل العراق بحراسة النظام العربي الذي شكل العراق بصيغته تلك بلدا محوريا يرقى الى فكرة “الاقليم القاعدة” عند دعاة الفكر القومي العربي وحتى جماهيره، وكان من الطبيعي أن تلتفت تلك الطبقة الى محورية الدور الذي ستلعبه “كمالعبه سابقا” الجيش في الحياة السياسية وبخاصة بعد تشكيله بالعراق عقب ا لحرب العالمية الاولى وتكون الدولة العراقية الحديثة، ولسوف يواجه الزعيم عبد الكريم قاسم تلك القوة والصلابة لهذا المزيج الاوليجاركي عندما اخل الزعيم بالمعادلة التاريخية للدولة العراقية التي يحرسها ذلك النظام وليس من المفارقة ان يكون اقرب الضباط اليه ممن قاموا بحركة (14) تموز هو من يمثل قيم تلك الطبقة ويدافع عنها بالاضافة الى طيف واسع من الضباط الذي يرتبط الايمان الديني عندهم بفكرة القومية المتماهية مع الانشكارية المملوكية العثمانية على صعيد الممارسة والتبلور والمصلحة. ورغم ذلك فأن ما يسجل لقاسم و14 تموز يعد في سجل السياسة العراقية في العصر الحديث أنجازاً قياسياً على كل الصعد تقريبا حتى راح الناس يرددون عبارة ان الامام علي وعبد الكريم قاسم وحدهما من احبا فقراء العراقيين وأنصفاهما فقد وضع قاسم “جهد امكانه” نظاما صارما لقاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب وما تعنيه من الغاء للطائفية السياسية والتي مثلت الدافع ألاكبر للقوى المضادة لقاسم ولـ14 تموز ان تحصل على امتدادات في المحيط الاقليمي العربي خاصة وان لها داخل قيادة ضباط 14 تموز أنصاراً متحمسين ويبدو من الغرابة تشابه الوضع الحالي للعملية السياسية في العراق مع تلك “النقلة” التي كلفت عبد الكريم قاسم حياته وحتى في تلك الظروف الصعبة استطاعت الصناعات النهوض وتم الاعداد لقانون جديد للاحزاب والصحافة مما يشكل نواة أو بنية تحتية “للقاسمية” والتي ستنهار بعد ذلك باطلاقات نارية من شخوص مجهولين دون ان تحظى بما حظيت به الناصرية في مصر رغم تميز الاولى على اكثر من صعيد بالذات في كاريزما القبول الشعبي التي حازها قاسم اكثر من “غريمه” والمصر على العداوة جمال عبد الناصر. وقد تأطرت تلك الكاريزما بالتعفف الحقيقي والزهد الذي انطوى على مفارقة اساسية في اخلاق الساسة العراقيين , واعتقد ان الحماس الذي ابداه حنا بطاطو لم يكن في الحقيقة لـ14 تموز عندما وصفها بالثورة الحقيقية لكنه وهو الباحث المدقق قد انحاز اخلاقيا وأعجب بشخص قاسم اكثر من أي شخص اخر مستشعرا المغايرة بين قاسم وسابقيه ولاحقيه، لكن الغريب انه لم تخض النخب العراقية الثقافية منها والسياسية “المعركة الضرورية” حول قاسم و14تموز مثل تلك المستمرة حتى الان حول ناصر ويوليو1952 وكان الامر قد حسم بين اعلام السلطة القومية “الاوليجاركية” في شيطنة الزعيم عبد الكريم قاسم بالموازاة في استقرارالمعادلة في تضخيم صورة الزعيم قاسم الطهرية في الضمير الشعبي بشكل مطرد ولكن اللافت ان الاملاء السياسي والخطاب الرسمي للدولة قد ركز في وصف الزعيم قاسم بالشعوبية حيث لم يكن لخصومه متسع من الاتهامية سوى تلك الوصفة التي تحمل مغزى قد يفسر بعض اجزاء المشهد السياسي والثقافي العراقي الاكثر غموضا. وقد أثار عبد الكريم ألازري في صحوته المتأخرة بكتابة مشكلة الحكم في العراق الاسباب التي دعت القوميين الى لصق صفة الشعوبية بعبد الكريم قاسم فعلى عادة هؤلاء في ادبياتهم واخلاقهم السياسية كثيرا ما يلجاون الى وصفتي التخوين والعمالة ضد خصومهم السياسيين، ولما كان قاسم بعيدا بكل المقاييس عن أية شبهة تخص مجال الاغراء القومي بالتخوين ولما انطوى عليه من نزاهة وعفة لا تتيح اتهامه بالفساد او الاستئثار فقد وجد هؤلاء افضل شتيمة في قاموسهم المنتج للشتائم هي الشعوبية، ويتساءل الازري بسذاجة،هل ان تعاون قاسم مع الشيوعيين هو سبب وصفه بالشعوبية رغم ان غيره من الحكام قد تعاونوا مع الشيوعيين فلماذا ينعت وحده بهذا؟ وقبل الاستطراد في اجابة الازري للسؤال لابد من استجلاء المعنى الحقيقي لمصطلح الشعوبية فهو كأي مصطلح انبثق من حاجات جماعات سياسية او عرقية فانه ياخذ معنى متحولا في التاريخ وهو لفظيا نسبة الى الشعوب،أي حركة الشعوب التي دخلت الاسلام بالفتوحات المشهورة وتعصب عليها الامويون بالعصبية العربية والتمييز العنصري ولم تكن في البداية كرها عنصريا خالصا للعرب لكن هذا المنحى جاء متأخرا بعد ان كان مصطلح الشعوبية يعني دفاع الشعوب عن ذاتها وثقافاتها ووجودها بوجه التمييز العنصري الاموي، بيد أن هجوم الجاحظ على الشعوبية كان ينتمي مثل ما ينتمي اليه هجوم عبد العزيز الدوري أو خير الدين حسيب أو محمد عابد الجابري المتعلقين بفكرة النقاء القومي والمعبر عنه بالرسالات الخالدة وبسبب من ارتباطات الشعوبية بتمظهرها التاريخي بالايرانيين أكثر من غيرهم من الشعوب المفتوحة وقد أرتبط المفهوم بهم اكثر من غيرهم حتى قبل أن يصبح المذهب الشيعي مذهبا رسميا للدولة بحدود (1500) ميلادية، وعلى طريقة المثقفين العرب ومؤرخيهم في الانتقائية فقد اختاروا هذا المصطلح في وصف عدائي تجاه الايرانيين بسبب من ارتباط المذهب الشيعي بوشائج من أنواع مختلفة في العراق وأيران ولأن الاقلية الاوجاركية مرتبطة بمذهب تماهى مع الفكر القومي العربي سدا لثغرة الاقلية فانه لن ينعت الاتراك بالشعوبية ولن ينعت السلطان سليم الذي حول الخلافة من قريش الى الاتراك بفتوى من احد شيوخ الحنفية بانه شعوبي ولم ينعت كمال اتاتورك بهذا النعت لكن الزعيم الذي كسر قاعدة الاحتكار السياسي سوف لن يكون وصف الشعوبي سوى مقدمة لاختفاء جثة الزعيم او بقاء أي شاهد يدل على مؤسس الجمهورية العراقية الاولى لكن سلطة التابو اللغوي والمجال السايكولوجي المكهرب يمنع الازري من تسمية “مجرد تسمية” للقوى التي قتلت عبد الكريم قاسم لانه “خرج عن خط السياسة التقليدية المتبعة منذ تا سيس الدولة العراقية عام 1921 والقاضية بقصر الحكم وسلطاته ومناصبه الرئيسة في ايدي فئة حاكمة تمثل اقلية من الشعب وحرمان الاكثرية من المشاركة العادلة” ص270 دون ان يسمي وهو في هذا العمر ويكتب من لندن من هذه القلة المتحكمة ومن تلك الاكثرية المضطهدة، ولكن قبل ذلك كتب حسن العلوي عن عبد الكريم قاسم كتابه المرموق رؤية بعد العشرين وقد فتح العلوي بهذا السفر الباب اولا بالتاليف المنهجي في السياسة العراقية الحديثة والمرتبط بمضمون اخلاقي جديد في فضح الاسس الطائفية للدولة العراقية وقد فات كلا المؤلفين “العلوي والازري” التركيزعلى ظاهرة ذات دلالات عميقة حيث لم يستطع احد تأشير تدخل أو “مؤامرة” من نوع ما قام بها قاسم ضد كابوس ناصر وأحمد سعيد وغول الاعلام المصري وقتها حيث لم تعط هذه الفاصلة في اخلاقيات قاسم حقها في تعاط سياسي يبدو نادرا أو متجوهرا حول قيم لم يألفها العمل السياسي العربي بيد ان اجراس باندونغ ومسيرة صواريخ القاهر والظافر “مثل صواريخ الحسين والعباس” في شوارع القاهرة كانت وعودا لصباحات لن تأتي ابدا طالما كانت الشعبوية الساذجة او المستفيدة هي جوهر العمل السياسي للقوميين أو الشيوعيين الذين تسيدوا ساحة العمل السياسي وقت ذاك، وقد استعانت السياسة المتضررة والليبرالية تحديدا بأمكانات البلاغة العربية في توسيط الجيم المعجمة في وصف القوميين بالقومجية فيما اعفي الشيوعيون من وقعه ليس لعيب بلاغي او لصعوبة في ادخال حرف على اللفظ بل لسقوط النموذج الذي طال حتى الرؤى الفلسفية فضلا عن الممارسة السياسية في الاعماق البعيدة، لكن النتيجة تبقى واحدة فقد حرم اطفال جلال الاوقاتي من صحن القيمر فيما ضاعت عمامة محمد باقر الحكيم ولم يعثر لها على أي اثر وسط المحراب، فالاوليجاركية العراقية اكتسبت قوة ذاتية لا تقبل التنافس من أي اتجاه سياسي او طائفي مختلف حتى وان كان يملك من الشرعية ما يزن به كل محمولات تلك القلة وثقافتها التي لن تحفل بالاف الجماجم امام عدميتها الاخلاقية في عبادة السلطة والمال. ومثلما تنظر هذه القلة الى ملايين الناخبين العراقيين بحسرة سادية فقد مارست الفعل نفسه تجاه السحر الشخصي لقاسم لكن الحقيقة ان الاوطان والمجتمعات لا تبنى بالكاريزما وحدها ولا يمكن لهذا السحر ان يلم الاشتات لشرعية التأسيس المفقودة حتى بعد ان ينقلب هذا السحر على ساحره فقد كان ناقصا مفتقدا لرؤية مستقبلية حقيقية لا نستطيع في هذه ألايام وصفها بالديموقراطية بالمعنى المتداول حاليا لكن كان يمكن للقاسمية ان تؤسس تاريخا سياسيا جديدا في العراق لو لم تكن تلك القلة مهيمنة بهذا الشكل المتوحش على الجهاز البيروقراطي والعسكري ما دعاها لان تنظر الى قاسم نظرة المارق الطائفي والهامشي على متن التاريخ التأسيسي للدولة. وما كان بأمكان قاسم الانقلاب بسهولة كما لم يكن لحسن النوايا وشرف المقاصد طاقة الحسم لان الزعيم مثل عمر بن عبد العزيز الذي كان على الضد من الاموية الاستبدادية لكنه كرجل دولة مارس رؤاه السياسية في التغيير من خلال قوانين الواقع و جهاز الدولة ذاتها واكتفى اخيرا بالتطهر الذاتي”. وترتبط هذه السيولة السياسية الان بعودة الروح التأويلية او التفسيرية لثنائية ثورة - انقلاب ”بخصوص 14 تموز ومرتبطة ايضا مع نوع من الليبرالية البازغة في السياسة والثقافة العربيتين ويمكن جزئيا رد الامر الى بقاء التبلور المفاهيمي لعلم الاجتماع السياسي ضمن المنطقة الرخوة الناتجة عن استعارة المفاهيم او ولادتها خارج الممارسة السياسية فالفوضى لم تكن في المفاهيم الوصفية بل نشأت أصلا في واقع يستعصي على الحصر والتوصيف هو واقع الدولة الوطنية العربية الحديثة والتي لم تنشأ عن تراكم ضروري يؤيد وظيفتها بل نشأت وظائفيا في تقاطع حرج وهو مفارقة تحول دولة التنويرفي الغرب الى دولة استعمارية باحثة عن اسواق تجارية وعمالة رخيصة ومجال حيوي مما أفسح المجال واسعا امام استفحال ظاهرة شخصنة السلطة في دول ومجتمعات اطراف المحو الاورو - أمريكي مهما كان شكل التسمية لهذا النظام جمهوريا أو ملكيا ولا يمكن وفق هذا السياق اعتبار ظاهرة عبد الكريم قاسم متفردة ومتقدمة كثيرا على نضيراتها العربيات والشرقيات عموما الامر الذي لم يحظ بدراسات مقارنة حقيقية ومنصفة، وقد ساعد على شخصنة السلطة في العراق سايكولوجيا الجماعة العراقية “الشرقية عموما” في نظرتها الميثولوجية الى السلطة و رموزها ثم الصفات الشخصية و الانحدار الطبقي للزعيم قاسم فلم يكن الشعب العراقي يكره العائلة المالكة و لا النظام الملكي برغم جهود بعض النخب في استثارة “العوام” لاسباب مختلفة لكن النظام الملكي قد تخبط في الممارسة برغم النجاحات الجزئية التي حققها و الدوافع النبيلة لشخص المؤسس فيصل الاول.لقد وصل ذلك التخبط الى الدرجة التي لم يعد ممكنا بعدها القبول ان جذورا من المؤسسية الليبرالية كانت ممكنة في المدى المنظور. وكما اسلفنا فلا يعود “القصور” الى المؤسسة الملكية وحدها و إنما للظروف العامة وطبيعة تركيب الدولة العراقية والقوى الاجتماعية والثقافية التي صاغت ضمير تلك الدولة. وقد دار الحديث طويلا عن ليبرالية أجهضها عسكر عبد الناصر في مصر و أخرى أجهضتها 14 تموز في العراق و يبدو الحديث عن الليبرالية الملكية في مصر والعراق قريبا من التبسيط والتساهل المعرفي المشوب بالحنين الذي ولدته سنوات القهر القومي البوليسي السادي، صحيح ان بعضا من الحريات العامة وشكلا من اشكال الفصل بين السلطات كان موجودا في مصر و العراق بدرجة أقل لكن ذلك لم يكن يلامس الجذور الحقيقية للتكوينات الاجتماعية والسياسية و الثقافة العامة في ظل الجوهر الانكشاري للدولة الوطنية العربية الحديثة، كما أن ما يلز كوبلاند قد أسهم الى حد كبير في حسم النقاش عندما تحدث عن بحث الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية عن شرعيات جديدة غير تلك التي ورثتها عن بريطانيا فكانت المؤسسة العسكرية هي من أعتقد العقل السياسي الامريكي أنه يمثل تلك الشرعية المطلوبة للمصلحة المشتركة و الامريكية تحديدا وقد أعتقد هذا العقل الامريكي التبسيطي أن مؤسسة الجيش في تلك الدول تعتبر تلك المؤسسة تحديثية من حيث تعاملها مع التقنيات الحديثة اولا و الانظمة العسكرية والادارية التي تفتقد اليها تلك المجتمعات في نمط تعليمها غير المدني ولهذا السبب أعتقد صانع القرار الاميركي أن ارتباط هذه المؤسسة سيكون بالغرب حاسما لانه يعني بالنسبة الى الجيوش وقادتها مسألة حياة، ما جعل الشرعيات التقليدية تصاب بالافول ليس بمنطق نظرية المؤامرة و أنما بفعل طريقة تلك الانظمة اولا ثم اعتقاد واشنطن أن تلك “الشرعيات الجديدة” سوف تسهل عمليتي السيطرة والتحديث “المنضبط” المرتبطين الى درجة كبيرة بالثوابت المستجدة “أسرائيل” و المتجددة “الطاقة” لكن ما حدث بعد ذلك مختلف عليه داخل مراكز البحوث وصناعة القرار السياسي الاميركي وبقيت النتيجة النهائية التي نحيا تداعياتها الان و كمحصلة لهذا الاداء السياسي الغربي عموما والاميركي خصوصا كانت في بروز ابطال قوميين ودينيين من ألاطراف مثل صدام حسين واسامة بن لادن. لكن الحسابات الخاطئة تولد دوما نتائج خاطئة فصناعة الزعامة السياسية والبحث عن زعامات وقيادات سياسية و أنظمة خارج المشاركات الشعبية والتطور التاريخي لتلك المجتمعات يجعل من المفاجئات بابا مفتوحا على الدوام و أعتقد ان شخصية الزعيم عبد الكريم قاسم كانت أحدى هذه المفاجأت حيث استطاع قاسم بتوازن صوفي مدهش من الوصول الى نوع من الوفاق الذي يتيح الامساك بخيط الوطنية العراقية الممزق اقليميا و امميا حيث كانت تلك الفاصلة معاكسة تماما للمناخات التي اكتسبتها الناصرية والمد اليساري في العراق الامر الذي اتاح " للاوليجاركية " العراقية وبسهولة ان تمارس نفس اساليبها حتى الان مع العملية السياسية في العراق من “شيطنة” الزعيم أثناء انشغالات الشيوعيين بيوتوبيا افراح الطبقة العاملة والعزلة الاختيارية للحوزة العلمية عن اداء الدور الذي اوكلته اياها الجماهير المخدرة حينما تسلل البعثيون وبمساعدة مجرمين جنائيين وبدبابتين او ثلاث الى مراكز ومخ السلطة ثم فاقموا الاسلوب الذي اتبعه نظراؤهم القوميون في مصر وسوريا الى أعلى درجات العسف والالغاء والارهاب وكان المفروض ان يثير الترابط الاقليمي وتعقيداته سؤالا حقيقيا في الثقافة السياسية العراقية حول ما الوضع المصري بعد ناصر او بعد (67) وكان يمكن ان يسهم هذا السؤال في إثارة وتحريك السكون البليد الذي يبدو وكأنه كان ضروريا ليفرز البعث سلطته الثانية في بغداد بعد ان استوعب دروس (63) جيدا فعملت منذ اللحظة الاولى لامساكها السلطة على التمثل النموذجي لقوانين انكشارية دولة الاستبداد الشرقي: مزيدا من العنف للمخالفين حتى المفترضين منهم مقابل المزيد من الامتيازات للموالين حتى القليلين منهم ما داموا تحت السيطرة في تطوير لنصائح ميكافيللي لاميره حول منطق استخراج النظام من الفوضى. ومن المفارقات الدالة أن تقدم تداعيات العملية السياسية في العراق القراءة أو التأويل الصحيحين للاحداث التي اعقبت 1958/7/14 والترابط العلائقي لخرائط السياسة الداخلية العراقية مع مناخات الجغرافيا السياسية للمنطقة وثقافة الشعوب خارج سقف المواطنة والوطن العراقيين الامر الذي حاول الزعيم تصحيحه و قد دفع حياته ثمنا لانجاز ظل يتعمق في القلوب و الضمائر لكنه ليس كذلك في الادارة و الثقافة والسياسة و بقيت القاسمية وسط خمول و كسل الشيوعيين صوتا تطهريا يغذي المعادلة غير الموزونة التي تحكم سايكولوجيا الثقافة السياسية المتمثلة بتوق نفوس و ضمائر الاكثرية في عقد أجتماعي مؤنس مقابل عجزالادارات عن ذلك. |