| رهائن القدر.. أنياب ميثولوجــــية في رقاب ســــامية ! |
|
جمعة عبد الله مطلك الذي يقرأ مذكرات الساسة وصناع القرار فيما يخص الشأن الفلسطيني (وبالذات بعد تقاعدهم) يتلبسه الشعور بأن اجواء من القدرية من الميثولوجيا تحكمت بقوانين تلك القضية (النزاع) امتدت بعد ذلك لتشمل طرق التعبير الشفاهية والمحترفة في الثقافة والادب ثم اشكال ومحتويات النظم السياسية على الجانبين، وليس الكيان الاسرائيلي وحده من ينطوي على تلك (الخلطة) الغريبة في التكوين والوظيفة وانما ايضا ما صاحب ذلك من ردود افعال على الجانب الاخر على وفق قاعدة التحدي والاستجابة. وسيكون فعلا مازوشيا حقيقيا تعداد العجز النوعي في الاستجابة لتجسد حقيقي ليس فقط بما تشكله الجيوش وتمثل ثمرات العلم والتكنلوجيا، انما ايضا واساسا تشمل قوانين الوجود الكبرى واهمها العقد الاجتماعي. (فخلطة) الكيان الاسرائيلي تنتمي الى وجود غريب استطاع النفخ بقربة الجغرافيا بالقوة ثم اكتسب صفة الدولة التي تنطوي هي الاخرى على وجود اكثر مأزقية حيث تستند علمانية الدولة الى اساس ديني عميق الغور في الشخصية اليهودية (الاسرائيلية) وذلك عندما تحولت اليهودية في اسرائيل الى دولانية قومية، ويستطيع الفكر بعد ذلك ركوب الخيال الى اوسع مدى يريده في الاساس التاريخي لهذا المأزق فتستطيع العودة الى سادس ايام الخلق وقبل ان يستريح الاله وفي يوم السبت تحديدا كانت فلسطين التوراتية حاضرة كما تروج لذلك الكتابات القومو- دينية اليهودية حتى يغدو بعد ذلك الوعد النابليوني بـ(دولة اليهود) متقدما وحديثا عكس ما اعتقده محمد حسنين هيكل عندما ارخ لبداية الفكرة من وعد نابليون، فقد اسلم نابليون قبل ذلك في مصر ثم تهود. كل ذلك داخل عقل من الدهاء السياسي سمح ويسمح به استمرار اغراءات التلاعب بخرائط الجغرافيا استنادا الى تاريخ لاهوتي يصلح للتأويل كل وقت واوان، وعلى الجانب الاخر يكفي فتوى الازهر لجمال عبد الناصر بمنطوق الاية الكريمة (واعدوا لهم ما استطعتم..) ثم الفتوى الاخرى الصادرة عن الازهر نفسه لانور السادات وبآية كريمة اخرى (وان جنحوا للسلم فاجنح لها....) تتويجا لتاريخ طويل من العداء الظاهر والخفي الى الدرجة التي يمكن ان تنطق الحجر والشجر حينما يدلان المسلم على اليهودي القابع خلفهما حتى يقتله الاول وذلك في نهاية التاريخ....، وعلى العكس من تصورات محمد حسنين هيكل فان انفاس نابليون اليهودية غير مهمة قدر حرفية ودأب ومهارة هرتزل وهزال نظرائه. لكن ذلك كله لا ينفي مبدأ الاتصال داخل بنية الفكر اليهودي الذي احيته وتحييه نخب تبدو فريدة في دأبها على حراسة هذا المبدأ، تلك الفكرة التي اعيت كارل ماركس الذي كتب عن التجمعات اليهودية عند الشواطئ وعلى الضفاف التي انقذتهم من الذوبان والتلاشي. لكن هذا الدأب وتلك الحراسة تحولا (بفعل التحدي) على الجانب العربي والفلسطيني الى وجود محاصر بتصورات قبلية ونهائية في الذهن الشعبي والدعاية السياسية، الامر الذي القى بظله على الحياة العربية وعلى الاداء العام داخل المجتمعات والدول بطريقة يعرفها الجميع ما تزال احداثها تترى حتى ساعة رفع صور صدام في ساحة غزة والقطاع ومبايعته قائدا حتى وهو داخل الحفرة. وفي حكاية الصياد في ليلة من الليالي الالف عندما اصاب اكبر درة ثم اصبح اسيرا لها خوفا عليها من اللصوص وحيث ان الدرة لا تتجزا وجميع ما في خزائن الصاغة لا يكفي ثمنا لها، فقد اكثر الصياد السهر الذي اضناه واتعبه وترك مهنته الاصلية فاضطربت احواله المادية وساءت احواله النفسية في ظل اجواء الحراسة والتعب والفقر، وفي صحوة ارادها الخيال المجنح الجميل في الليالي القى الصياد الدرة في الماء وعاد يصطاد السمك راضيا مرضيا. المشكلة ان درة العمل السياسي العربي والفلسطيني المحترف ليست هي الشعب الفلسطيني او الشعوب العربية انما (التصورات) والمفاهيم التي صاغتها ظروف التخادم بين القضية الفلسطينية وتلك النخب، والاكثر فظاعة انسياق الثقافة والمثقفين نحو تأييد تلك التصورات وتقديسها، وعلى اثر ذلك غالبا ما يلقى الشعب او موارده في البحر بدل التصورات والاوهام السقيمة لدرة الوهم المتعاظم ولا يعود الصياد بعد ذلك قادرا على الصيد لان شباكه تهرأت وفقد الدافع. لكن في السياسية هنالك دائما (لحظة مزاج) هي عبارة عن محاولة الفرقاء الخروج من ازمة انهكتهم وكان يمكن لبرغماتية الحبيب بو رقيبة ان تكون نقطة فاصلة تخرج القضية الفلسطينية من مجال التصورات الميثولوجية الى الصراع السياسي الذرائعي، وكان اللاعبون الكبار وقتها مستعدين للضمانة لكن يبدو ان ضياع الفرص اصبح منطقا داخليا على الطرف العربي ان يحترم توازناته التي لم تثمر مع ان الاختناق او الغرق بميثولوجيا القضية لم ينقذ البلاغة العربية نفسها من تبيين الفرق بين ارض عربية والاراضي العربية في القرار 242. ولم تكن (ال) التعريف الساقطة من اخطاء الترجمة فقط بل كانت محصلة طبيعية لاداء الجيوش العربية... للتأييد النهائي والمشلول لـ (قومية) القضية. لكن التكافؤ دائما محسوم فعندما تمزج النخبة الاسرائيلية المحترفة بمهارة بين الحداثة السياسية من جهة والاصولية التوراتية من جهة اخرى فلانها قادرة على ذلك بفعل عوامل ذاتية تتوفر عليها (الثقافة) اليهودية. وخلال ذلك راكمت اسرائيل اسباب القوة فيما راحت الاصولية العربية تناقش: هل ان الوحدة قبل الحرية ام العكس. بالغوغائية نفسها وبفقدان المعنى الذي استولى به الضباط على مقاليد السلطة السياسية، فعلمانية القومية العربية لا تنتمي بأي شكل من الاشكال الى الحداثة والسياسية منها تحديدا، ولانها كذلك فقد منعت خيارا شمشونيا كان يمكن للهلال الاسلامي من طنجة حتى كابول من التخلق والصيرورة فارضا واقعا جديدا في حمأة ركون الجميع للميثولوجيا التوراتية قانونا للصراع، لكن قومية القضية الفلسطينية ثم علمانية دولتها (الطائفية الشوفينية في اعماقها الحقيقية) كان عبأ مضافا يتفاقم باستمرار والناس لا تستطيع ان ترى المنحى التنازلي للمطالب العربية الفلسطينية ما دامت فكرة نهاية التاريخ والانتصار الحتمي للفضيلة والخير هي المعين الروحي والتثقيفي لهما، فيما لا تكتفي اسرائيل بالمنحى التصاعدي حتى طلبت اخيرا عضوية الجامعة العربية (مراقبا) وقد تكون تفاصيل جدار العزل الشاروني ضرورية لتفكيك الغاز المنحيين، فأغلب عمال الجدار من العمالة الفلسطينية التي لا تجد فرصا للعمل وكذلك من المصريين وبعض المغاربة وعدد اقل من العراقيين الذين هربوا الى اسرائيل عام 1996، اما الاسمنت المستعمل فمصري واما المقاول الثانوي ففلسطيني، واما المنحى الاكبر فهو المجال السياسي للقضية وسط الغبار الثقيل والكثيف للمفهومات القومية والدينية. ويمكن عندئذ بغير عناء الربط بين (عسكرة) الفكر القومي العربي كنتاج للصهيونية السياسية. وعندما اندمجت القومية المتعسكرة مع الاسلام السياسي الجديد اكتملت دائرة الضباب حتى في اعلى قمم الحداثة الفكرية، فلم يعد بمقدور محمد عابد الجابري طرح سؤال العمالة والاسمنت المستخدمين في الجدار واكتفى بالدفاع عن ملثمين بدائيين في صحارى العراق طالبا منهم تمثيل الوجه المشرق (للامة العربية). انها اذن الرسالة الخالدة مرة اخرى لكن الاطلاقية الاخلاقية والتجانس المفهومي لا ينفيان عند محمد عابد الجابري مغربيته الوطنية الشديدة وتقديره العالي للمؤسسة الملكية المغربية التي نقلت وقائع مؤتمر القمة العربي بكاميرات سرية مباشرة الى تل ابيب حيث يستمع السادة الاسرائيليون الى احاديث (وخطط) الزعماء العرب قبل ان تنقل هذه الخطط الى الوزراء وحتى مستشاري الرؤساء.ان اتقان ثم ادمان فن الاستفادة من صناعة العدو او استثمار (الاستعداء) انشأ بنية شديدة التعقيد تتعلق بالطريقة التي ادارت خلالها الانظمة والمؤسسات الثقافية الصراع مع اسرائيل وقوانينه وكيفية تداول المفاهيم المتعلقة به وصناعة المناخات والجذور الاستثمارية لفكرة العداء ثم دخوله في بنية النخب السياسية الى الحد الذي يدعو الرئيس اليمني عقب كل ازمة يمر بها المجتمع القبلي اليمني الى الخروج على الشاشات طالبا ومتمنيا ان تكون لليمن قطعة ارض مواجهة لاسرائيل حتى يستطيع تحريرها فتكون النتيجة (صدامية تماما) حيث تحتل اريتيريا جزر حينيش بسهولة ويعود زعماء القبائل اليمنية كل الى مقيله يمضغ القات الطبيعي مفضلا اياه على القات السياسي. وينطبق الامر على الجميع تقريبا فقد استثمرت الانظمة (فكرة) العداء الاسرائيلي في عملية مقايضة مع الراعي الاكبر (البريطاني ثم الاميركي) فضمنت البقاء في السلطة مقابل امن اسرائيل. وقد ادرك (آل سعود) قبل غيرهم هذه الحقيقة واستثمروها بمهارة سياسية وبغطاء نقدي واسع، وحتى حرب تشرين التي تعد الحرب الناجحة الوحيدة كانت، كما هو واضح من سياقها ومن مذكرات الدبلوماسيين والقادة العسكريين، انها حرب تحريك كما سميت لان الجيوش العربية لم تطور هجوما عسكريا كان ممكنا وضروريا إما لحصر اسرائيل في حدودها الاصلية او إلزام الغرب المسترخي للمفاهيم التوراتية بحل تفرضه توازنات القوة، لكن الذي حصل بعد ذلك ان اطلق الرئيس المصري السابق فكرة ال 99% من اوراق الحل التي تملكها امريكا، والنسبة ليست بعيدة في المضمون والمحتوى عن مثيلاتها في انتخابات الرئاسة العربية، وهي ايضا ليست بعيدة عن ذهن محمد حسنين هيكل عندما دعا الى (تحييد) امريكا، اما فكرة صناعة العدو لدى النخب الثقافية المحترفة فكانت بديلا مريحا واحيانا مربحا (والطباق غير مقصود) حيث السهولة في الاثارة والسرعة في الاستجابة والقدرة على اعادة الانشاء السياسي مصحوبا بالموسيقى العسكرية مرة وتراتيل دفن العدو مرة اخرى. وتبرز بتقاطع هذه الفواصل، نتيجة لازمة عن تمكن الالية الداخلية للنزاع (الصراع) من تدوير اساليب العمل بطريقة شبه منظمة وذلك بحكم مشكلتي التعريف اولا ثم افتقاد الصراع الى سقف يقود الى نهاية حتى في الامد غير المنظور، فمشكلة التعريف عند الطرف الاسرائيلي الصهيوني هي الاخرى (خلطة) غريبة تحاول النخب اليهودية اظهارها بمظهر التجانس، فهي مزيج من عقدة التفوق النيتشوية المرتبطة بإله يخص اليهود فقط بالخير والجمال ثم بتاريخ يعمل باطراد على وفق رغبات وجهود اليهود حتى.... نهايته، وفي هذا السياق يمكن عد وثيقة مؤتمر بازل كاحدى صحائف التوراة المقدسة حيث لا يمكن فهم (السر) التوراتي لخارطة اسرائيل المتغيرة بحسب تغير خرائط القوة والموضع الدولي وقوانين الهيمنة المتغلبة، وسيبقى الهاجس المحصور بين الفرات والنيل خاضعا دائما للتعديل حتى لو كان السبب باكستانيا اسمه عبد القدير خان يملك اسرار القنبلة النووية. وبسهولة يمكن فهم الارتباط بين مشكلة التعريف وافتقاد الصراع لاي سقف تحدده الجغرافيا او التاريخ فأسوأ الخيارات الصهيونية الناتجة عن مشكلة التعريف تلك التي استقرت في الضمير اليهودي الاسرائيلي في (تأخير اللحظة) ثم حراسة ذلك التأخير الذي تم حتى الان بكفاءة، فخلطة الخيارالشمشوني من اي طرف معاكس تشبه لحظة تحول الولايات المتحدة الى قوة ثانية او ثالثة في العالم، عندها لن تستطيع اسرائيل القفز على اكتاف القوة الجديدة الاولى كما قفزت من الكتف البريطاني الى الامريكي، لكن التداعيات هي التي تتحول من التعريف لافتقاد السطح يمكن ان ترفع من صراخ الجماعة الاسلامية في باكستان كما يطلق الصوت العالي للاخوان المسلمين، وقد يكون ضروريا عندئذ حدوث مشهد هرب الجنود الاسرائيليين من الجنوب اللبناني تاركين دباباتهم المحترقة مع عملائهم اللبنانيين تحت انظار الكاميرات الملونة والسريعة والمباشرة حتى يرتفع صوت المحافظين في ايران او الانكلو بروتستانت في الولايات المتحدة فيما تتسلل على وفق هذه الاجواء بصخب مطلوب ومرغوب رسائل اسامة بن لادن الى قناة الجزيرة التابعة لدولة قطر التي منحت جنسيتها لرباعين من بلغاريا ورجال دين من مصر (القرضاوي) وعدائين من كينيا واخباريين من لبنان. فعندما تحتمي الجماهير بالمقدس المتعالي وسط خيارات (النهايات الحتمية) سوف يمتنع طبيعيا تبلور مشاركة شعبية حقيقية وانظمة ديموقراطية، عندئذ سوف تجد اسرائيل نفسها وسط بحر من الاديان والمذاهب مما يعطي الشرعية لملاحدة اليهود في تبني (ارض الميعاد) وعكس ذلك سوف تبدو التوراتية الصهيونية لوثة محاصرة ومكروهة وعبأ على حراسها وضامنيها.وقد استفاد المحيط الاقليمي بطريقته الخاصة من مشاكل السقف والتعريف، فالقوميون الهندوس مثل عسكر باكستان مثل اسلاميي تركيا... كلهم بحاجة الى اسرائيل سواء بطريقة ايجابية (تحديث عسكري، حماية مخابراتية) او بطريقة سلبية عندما يستخدم التصعيد النفسي والشحن العالي للجماهير في ماليزيا مهاتير استثمارا سياسيا في النزاع الداخلي او في ايران لصناعة القنبلة وتنحية الاصلاحيين، ولا تكف هذه العجلة ما دام البحث عن مغزى لحركة التاريخ هو ما يغذي افتقار الصراع الى سقف او مدلول خاص غير الرغبة في النفي. لكن مختصر تاريخ الصراع هو ايضا تاريخ خسارات للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية ابتداء من 1948 حتى اخر ام انتحارية في قطاع غزة، وهو بالمقابل تاريخ التراكم الذي استطاعت به النخبة اليهودية الدخول في نسيج العالمين القديم والجديد إما عبر فوبيا معاداة السامية او الاسهام في صناعة العصر الحديث تقنيا ومصرفيا واعلاميا، وما تزال المانيا الى الان تدفع تعويضات مليونية عن هولوكوست غير متفق على تفاصيله وارقامه، لكن بالخيال ان تفكر المانيا بدفع تعويض او حتى اعتذار عن مئات الشركات الالمانية التي صنعت اسلحة صدام الكيمياوية بعد مجزرة حلبجة لهوان الحياة هنا على الناس ومجانيتها الشديدة. ان صوت (الغاب) الذي استوطن منطق الصراع موحش وكئيب فلم تستطع نظم الحياة والثقافة العربية ولا النخب السياسية الفاسدة ربط تحرير الارض بتحرير الانسان وعندما يتم تداول الشأن الفلسطيني فأن مضمون التحرير وخاصة بعد عام 1967 يبدو انه مفرغ من المضمون الانساني الضروري الذي هو ابعد من الجغرافيا الطبيعية حيث يتصل بالنسيج الثقافي والاخلاقي للمجتمعات، فلو حدث الربط بين تحرير الارض والانسان لازدهرت الطبقة الوسطى وامكن انتاج اوضاع لاتجعل من القضية الفلسطينية مطية للمغامرين واللصوص والانكشار العسكري، وكان يمكن لسؤال الحرية داخل الثقافة العربية وتفعيله قد يختزل اسرائيل الى جالية يهودية في دولة عربية. قد تكون بحاجة الى بعض الحماية بوصفها اقلية او بعض الحقوق التعليمية، لكن الانسداد الكبير (وقومية) القضية افرز نوعا غريبا من صناعة مفهوم العدو حتى وصل الامر بموريتانيا الغافية... على شواطئ الاطلسي التي احترفت تأييد صدام البحث عن (تنسيق) مع اسرائيل مسابقة في ذلك دول المغرب العربي ومصر التي اصبحت لها جالية في اسرائيل حددتها مرة صحيفة الاهرام بـ(250)الفاً تزوج قسم منهم من اسرائيليات بحثا عن الجنسية الاسرائيلية فيما يتمتع الاقتصاد الاسرائيلي بحضور قوي في مصر. وقد اسهمت اسرائيل في شركات مصرية بنسب مرتفعة فيما يستقطب مركز البحوث الاسرائيلي مثقفين كبارا. لكن افتقاد استراتيجيا الصراع الى قوانين ارضية (سياسية) هو ما جعل التطور ينخفض دائما الى مستوى التصورات الميثولوجية ليرتفع بعد ذلك الى مستوى استثمار القضية في البقاء في السلطة و طلبها. ويبدو ان كتابة تاريخ للنزاع يمكن الاسترشاد به تبدو صعبة على الجانب العربي والفلسطيني وشبه مستحيلة على الجانب الاسرائيلي، ففي الوقت الذي يتصارع فيه المثقفون العرب والفلسطينيون حول الحدود بين اليهودية والصهيونية واسرائيل (هكذا في فراغ) استطاعت النخبة اليهودية بلورة نوع من تأسيس لفكرة الدياسبورا (الشتات) التي تفرض وحدة عنصرية (قومية) وليست دينية فقط (للعنصر) اليهودي لذلك فأن فكرة الوطن القومي لليهود لابد ان تكون لها صفة ما من القداسة، وعلى هذا الاساس تم اختيار فلسطين وليس ولاية من الولايات الامريكية التي يمكن لليهود (اذا كان ضروريا) تأسيس وجود عملياتي يشبه الوجود القومي كما هوحاصل ومسكوت عنه لكن العالم الجديد لا يتوفر على صور الصلب والحروب الصليبية وحائط المبكى ومزارع الزيتون وكل ايحاءات التاريخ الموجودة (شرق المتوسط) وكان نظام العقلانية الغربية قد دخل النسيج السياسي للبيروقراطية الاسرائيلية من دون ان يفهم الفلسطينيون والعرب اليات الدخول. وعندما حاول انيس صائغ الاكاديمي الفلسطيني المرموق اقامة مركز الدراسات والبحوث الفلسطينية لم يسلم من تهم الخيانة حتى وصل الامر الى رسائل مفخخة لان صائغ طرح السؤال اكاديميا وحاول الاجابة علية دائما: لماذا يتقدمون ونتأخر؟ ولماذا يتوفر الفرد الاسرائيلي على اكثر من 19 الف دولار دخلا فرديا مقابل 1500 دولار للفلسطيني؟ ولماذا يحتكم الاسرائيليون الى القضاء المستقل ولا يفعل الفلسطينيون والعرب ذلك؟ ولماذا يحاكم في اسرائيل شخص بمستوى رئيس الوزراء الليكودي نتنياهو... وزوجته سارة على احتفاظ الثانية بهدايا قدمت لها بوصفها زوجة مسؤول وتجاوز زوجها الارقام المخصصة لاستهلاك سيجار هافانا مما يستدعي مثولها امام (اي قاض) في كل انحاء اسرائيل في الوقت الذي لا يجوز فيه مساءلة سها عرفات عن اكثر من 13 مليون دولار وضعت باسمها في احدى البنوك الفرنسية وكشفت بالصدفة البحت؟؟؟ كانت جولدا مائير الاصولية التوراتية تتكلم دائما عن معرفتها المجتمع المصري عن طريق روايات نجيب محفوظ وكانت تحفظ اسماء ابطال رواياته وبالذات في الثلاثية وخان الخليلي لكن النبوءة التي اطلقها الروائي الفلسطيني اميل حبيبي في روايته (يوميات سعيد ابي النحس المتشائل) جوبهت بالتخوين، وقد توفي حبيبي مريضا من دون ان يسعفه عرفات كما اسعف محمود درويش عندما ارسله للعلاج على نفقته الخاصة في مستشفيات باريس. ورغم الخلاف النظري حول وجهة المقاومة وبالذات في منظمة التحرير وهل هي قومية ام وطنية، يبقى ثابت العلاقة بين تلك المنظمة والعمل هو مبدأ الخسارات ومراكمتها ثم تبريرها نفسه، لقد مثل العمل الوطني الفلسطيني عبر تلك المنظمة نوعا من الاغتراب الذي اوصل الحال الى درجة من الفساد لا يشبهها في العصر الحديث سوى العصابة الصدامية، حيث كان الارتباط البراغماتي بين السلطة الفلسطينية والانظمة العربية مدعاة لتقوية النسق الاستبدادي المركزي داخل السلطتين، وكان بإمكان المجال الحيوي الذي اتاحه الشتات الفلسطيني الالتحام اكثر بالشعوب العربية مستغلة الشحنة النفسية للقضية الفلسطينية ووجود نخبة فلسطينية متعلمة ومثقفة اسهمت في بناء دول ومجتمعات الخليج العربي وغيرها. قليلة هي المرات التي افصح فيها النظام العربي عن امراضه علانية وتخلى عن ورقة التوت، كانت المرة الاهم اثناء وبعد 5 حزيران 1967 ثم تكفل هيكل ومدرسته (بلفلفتها) واطلق هيكل وقتها مصطلحه الشهير الساري المفعول حتى الان (النكسة) بدلا من (الهزيمة) ثم هيأت مدرسته الرأي العام لخرافة الاستنزاف التي كانت في الحقيقة استنزافا لطاقات وثروات الشعوب العربية باسم القضية الفلسطينية. ثم كانت المناسبة الثانية لفضيحة النظام العربي في 2 آب 1990 عندما دخلت جيوش صدام الكويت، وقد اثبت ذلك النظام مرة اخرى قدرته الفائقة على البقاء والترميم الشكلي للتصدعات البنيوية الخطيرة التي طالت اركانه واسس وجوده والتي توجت بطريقة سقوط النظام البعثي في العراق الذي حاز مثاليا على امراض ذلك النظام ولكن لم نسمع لحد الان ولم نقرأ عما اصاب القضية الفلسطينية صميميا وجوهريا عندما ايد عرفات شخصيا والطاقم السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية بكل فصائله تقريبا احتلال الكويت والغائها من الخارطة، فأذا كانت فرحة عوام الفلسطينيين يمكن فهمها على انها (خيار اليأس) فهل افلح دخان بارود صواريخ صدام على تل ابيب في رتق الفجوة الكبيرة في شرعية الوجود الاسرائيلي؟ فكيف تصارع منظمة التحرير وحماس وغيرها عدوا يحاول استيطان ارض ليست له ثم تؤيد احتلال حاكم سادي لارض شقيقة بل محوها من الخارطة نهائيا؟ لقد حاولت المنظمة اعقاب هذا السقوط الفضيحة تدارك الامر بطريقة الهروب الى امام في اتفاقيات اوسلو، ولكن هذه المجانية والمنطق المعكوس لا يسودان فقط الممارسة السياسية للنخب الفلسطينية والعربية بل تطول ايضا امراض المثقفين وافتقادهم لرؤية ضرورية تسدد مسار العمل السياسي وتعيد دائما فحص منطلقاته، فقد تحولت اسرائيل بالديمقراطية من ثمرة مرة لضمير اوربي قلق واخر عربي عاجز الى دولة يتسابق الجميع لارضائها، حتى السادات في مبادرته الشهيرة كان يضمر فكرة اشتعلت داخل كيانه النفسي المحتقن بواقع الاقتصاد المصري وكواليس السياسية العربية، فقد كان يعتقد ان الضمان الحقيقي لنجاح المبادرة هو في تعريف الشعوب العربية على واقع (الانجاز الاسرائيلي) وكان الحاجز النفسي الذي يقصده السادات هو التخلف الذي استوطن العرب وعبرته اسرائيل، ولم تكن مبادرة السادات معزولة عن السياق العام في ادارة المواجهة سوى في السيناريو الصادم الذي اتبعه في رحلته الى القدس المحتلة، فقد كان عبد الناصر يبحث على الدوام عن حل ما مع اسرائيل وقد قبل بمبادرات عديدة بهذا الخصوص رغم الضجيج الاعلامي الذي كلفه الكثير، والحاصل دائما ان المثقف الفلسطيني المحترف وكذلك العربي كان له (لاهوته الخاص) للتحرير فقد ظل محمود درويش محتفظا بعلاقته الروحية الحميمية مع ياسر عرفات واقام هو ورموز الحزب الشيوعي الفلسطيني علاقة (اخوية) مع الحزب الشيوعي الاسرائيلي (راكاح) ولم يسم درويش اي حالة فساد في السلطة الفلسطينية وعندما طلب المثقفون العراقيون تكريما له بحسن الظن بأهميته ادانة القمع في العراق عام (1986) رد عليهم في مجلة اليوم السابع بانهم في عالم اخر، اما عالمه هو فيشبه عالم ادوارد سعيد في غموض الوجهة بين التحرير الكامل والشامل وصفة جاهزة او صناعة المفاهيم المدرسية حول السلام الممكن مع اسرائيل، لكن ادوارد سعيد كان من اكثر اللاعبين مهارة على الحبال الفلسطينية فقد كان (يزمجر) في الجامعات المصرية واللبنانية ويخفض الصوت ويعقلنه في الجامعات الامريكية والبريطانية فأصبح لازما من طول مدة. التخادم بين سلطة الفساد الفلسطينية ونظيرتها العربية مصحوبة بالزفة الثقافية بروز ظاهرة حزب الله سواء سمي بهذا الاسم او بأسماء اخرى في لبنان او العراق او فلسطين ذاتها. فلا احد يجرؤ من المثقفين على القول (مثلا) ان تكرار تجربة حزب الله في لبنان (ميليشيا تحكم الدولة) في العراق او مصر يعني عرقلة الديمقراطية ثم ابقاء اسرائيل محروسة من جانبين: الاول بوصفها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، والثاني تدثرها بالتوراتية ما دام الجيران يمتلكون احزابا تسمى باسم الله. والنتيجة دائما ان النوايا الطيبة للجمهور والمقاتلين محل صراع ارادات في عوالم بعيدة جدا عن مدارس هؤلاء وحدودها. والسؤال المضني دائما: كيف تقتنع المجموعة الاسرائيلية ان حجم القضية اكبر بكثير من تطويع ابو مازن... او الجيل الواقعي الجديد من القادة الفلسطينيين او حتى تفكيك بعض المستوطنات؟ اعتقد ان بعض الجواب او كله لا يكمن لدى المستوطن البولندي او الروسي او المغربي، انه بالضبط داخل النسيج الفلسطيني و العربي الذي يراوح بين فكرة القرون الوسطى ويرفض العصر الحديث. ان البطل الذي تبحث الثقافة العربية عنه لن يكون الا الشعوب وهي تأخذ حقها من السلطة والثروة وعندئذ لن تكون اسرائيل مشكلة حقيقية لشعوب حرة تتجاوز المائتي مليون يختزنون اكثر من نصف الاحتياطي العالمي من النفط وكانت مدنهم حواضر للعالم، وعلى الثقافة العربية مغادرة الشكلانية والزيف في البحث عن هذا البطل لذي قدمته يوما ما على انه جمال عبد الناصر او صدام حسين او حتى رأفت الهجان (رفعت الجمال) عندما اقبل الجمهور العربي بشغف على دراما تصور اختراق اجهزة الاستخبارات المصرية نظيرتها الاسرائيلية، وتابع الجمهور العربي باحساس مشبع بالاحساس البليد صورة المجتمع الاسرائيلي كما يرسمها خيال المثقف العربي: مجموعة من العاهرات والسكارى والخونة، وعندما ابرزت الوثائق الاسرائيلية العمالة المزدوجة لرفعت الجمال مات صالح مرسي مؤلف المسلسل كمدا لكن احدا لم يسأل: لماذا يصدق المواطن العربي الوثائق الاسرائيلية ويكذب نظيرتها المصرية او العربية؟ وبما ان ثابت سقف الصراع غير معلوم ولا محدد فان في المجال خيالا خصبا وواسعا نتيجة ظروف ميتافيزيقيا الصراع ابتداء من مساحة كتلة الغاز الناتج عن قنبلة نووية في الخيار الشمشوني او تغير عامل الدعم الخارجي او حتى شيء من عسف الطبيعة او اعتباطها قد يعيد الى شمعون بيريز (حزب العمل) حدود الخيال في القضية عندما يقارن فشل الاستيطان الصليبي في الشرق ونجاح اسرائيل في البقاء فرغم ان المقارنة بذاتها تنطوي على مغزى مرتبك لكن الاساليب التي يسوقها بيريز هي ان عسكرة الصليبية لم تنقذها فيما (ديمقراطية اسرائيل) هي وحدها الضمان لوجودها. لكني سأضع على لسان بيريز سؤالا: ماذا لو جاورنا خصوما ديمقراطيين مثلنا؟ |