| علامة الجزائر الشـيخ عبـد الحميـد بن باديـس .. التخـلّف رديــــف الاســــــــتعمار! |
|
حســـن السعيد في أسرة مشهورة بالعلم والثراء والجاه، وُلد عبد الحميد بن باديس، في مدينة قسنطينة بالجزائر عام 1308هـ(1889م)، وكان والده ذا وجاهة سياسية مقرباً من الفرنسيين، باعتباره عضواً في المجلس الجزائري الأعلى، والمجلس العام، إضافة الى عضويته في مجلس العمالة. * أدخله والده في صغره أحد الكتاتيب لتعلم القرآن، كما جرت عليه العادة يومئذ، فأتمّ حفظ القرآن الكريم في السنة الثالثة عشرة من عمره، ثم تتلمذ على أحد المشايخ، وتلقى على يديه مبادىء العلوم العربية والإسلامية. * توجه في عام 1908م، الى تونس لمتابعة تعليمه العالي في (جامع الزيتونة)، فنال عام 1912م شهادة (التطويع)، وكعادة الخريجين في ذلك الوقت كان عليه أن يُعلّم في الزيتونة عاماً واحداً. * في عام 1913م عاد الى قسنطينة، وشرع لتوّه في العمل التربوي الذي قاده بنجاح كبير، وبمنهجية جديدة، فأخذ يدرس الحضارة الإسلامية، والأدب العربي، وتفسير القرآن الكريم، وموطأ مالك في الحديث الشريف. كل ذلك أثار حفيظة الدوائر الاستعمارية، والأوساط الراكدة على حد سواء، ولمّا كانت طريقته في التدريس لم ترق لبعض خصومه أخذوا يقلقونه، حتى أنهم أطفأوا عليه الضوء، وهو في الدرس فسافر عشيّة الحرب العالمية الأولى الى تونس، حيث تابع تحصيله العلمي في الزيتونة لبعض الوقت، ثم انتقل الى الحجاز بغرض الحج، وهناك تعرّف على الشيخ البشير الابراهيمي، الذي أصبح رفيق دربه، وحامل لواء حركته الإصلاحية، بعد وفاته. * أثناء وجوده في الحجاز التقى شيخيه؛ حمدان الونيسي، وحسين أحمد الهندي، اللذين وضعاه في موقف لا مناص له، من أن يختار بين قرارين؛ الهجرة النهائية من الجزائر، وتلك كانت نصيحة الأول، أو العودة اليها للجهاد والدفاع من أجل الإسلام، وهذه كانت نصيحة الثاني. ولم يكن لمثل إبن باديس أن يدير ظهره لمحنة وطنه، أو أن يخون دمه، فهو مهيّأ لقيام بدور تاريخي، ولابدّ له من أن يضطلع بهذا الدور. * وقبل أن يعود قرر أن يتدارس مع بعض المعنيين أوضاع الجزائر المتردية، والتفكير في وسائل العمل من أجل النهوض بها، من الكبوة التي أوقعها بها الاستعمار والمتعاونون معه، وقد تداول كثيراً مع الشيخ الابراهيمي، ويؤكّد هذا الأخير أنّ تلك الليالي من عام 1913م، التي قضاها الإثنان هي التي وُضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي لم تبرز للوجود إلاّ في عام 1931م. * وفي هذا السياق -أي التداول والبحث عن مخرج للجزائر- انتقل إبن باديس من الحجاز الى دمشق ولبنان، ثم سافر الى مصر حيث إتصل بالشيخ (بخيت) زميل الشيخ محمد عبده وحامل أفكاره، وذلك بدافع الرغبة في الإطلاع،عن كثب، على أفكار محمد عبده الإصلاحية، ويرى أحد الكتاب الجزائريين بأن رحلة إبن باديس الى المشرق أطلعته على الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية، وفيها خَبر أحوال الناس، مّما وسع أفقه وبصره بطريق الخلاص والثورة الفكرية، التي تعتمد على التربية في تكوين القادة من النخبة أو الصفوة المبدعة. * وهكذا سارع إبن باديس بالعودة الى وطنه ومدينته قسنطينة تحديدا،ً ليعلن خياره: “رجعنا الى الوطن بقصد خدمته، فنحن لا نهاجر، نحن حراس الإسلام والعربية في هذا الوطن”، ثم ليضع مخططاً طويل النفس للكفاح العقلاني الهادئ. * اختار إبن باديس قناتين لجهاده هذا؛ الصحافة، وشعاره فيها: “الحق فوق كل أحد، والوطن قبل كل شيء”، والتعليم: “لأن تعليم الأمة -كما يقول- وإحياء الروح الإسلامية سلاح أكيد لتحرير الجزائر”. وواضح أنّ للقناتين مصبّاً واحداً وهدفاً واحداً، هو استثارة الخمائر الكامنة في الوجدان الشعبي، وتهيئة الأرضية الصالحة لبذور الثورة. * في عام 1925م، أسسّ جريدة(المنتقد)، ثم جريدة أسبوعية فشهرية سماها (الشهاب)، ثم تتابعت الإصدارات فكانت جريدة (الشريعة)، ثم (الصراط) التي لم تعمّر طويلاً، لأن السلطات الاستعمارية تنبهت لخطر دعوتها فخنقتها. * آمن إبن باديس بأن الطريق السليم لإحداث النهضة في الجزائر، وانقاذها من الأخطار المداهمة إنما يكون بالتربية الإسلامية. أما أهداف هذه التربية فتتمثل أول ما تتمثل في اصلاح التعليم، وفي ذلك يقول: “لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم، فالعلماء في الأمة بمثابة القلب. إذا صلح صلح الجسد كله، ولن يصلح العلماء إلاّ إذا صلح تعليمهم. فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع، الذي يكون عليه في مستقبل حياته، وما يستقبل من عمله لنفسه وغيره”. * تصدّى إبن باديس لمحاولات المستعمر الفرنسي في إذكاء نعرات الجاهلية، كإثارة الفرقة بين أبناء الشعب الواحد العرب والبربر، وفي ذلك يقول: “إنّ أبناء يعرب وأبناء مازيغ (البربر) قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرناً، حتى كوّنت منهم، منذ أحقاب بعيدة عنصراً مسلماً جزائرياً؛ أمّه الجزائر وأبوه. * كما إنبرى الى تحرير الفكر الإسلامي، من الجمود الذي كان يخيّم على عقول المسلمين، وتطهير الدين من الخرافات والبدع، التي أُدخلت عليه، وبالتالي فقد سار في نفس الخط الإصلاحي الذي سار فيه قبله جمال الدين الافغاني، ومحمد عبده. * ما تجدر الإشارة اليه؛ أن الطرق الصوفية في الجزائر بوجه خاص تمنع كل محاولة لتحرير الفكر الديني. وفي خضم المعركة التي كانت تدور بين إبن باديس وأنصاره، من جهة، وبين الطرق الصوفية المتحالفة مع الاستعمار، من جهة أخرى، حاول أحد مريدي تلك الطرق اغتيال إبن باديس عام 1927م، ولكن المحاولة باءت بالفشل، وما لبث إبن باديس أن عفا عن الجاني. * لم يكتفِ بإفتتاح المدارس في قسنطينة مسقط رأسه، بل إمتدّ نشاطه التعليمي الى وهران وتلمسان، وتجاوز هذا الإهتمام بتعليم النشء الى الإهتمام بتدريس الكبار، وقد حول أفنية المساجد الى حلقات لهذه الغاية، تنعقد بكثافة لتبصير هؤلاء بحقيقة الدين وجوهره، ومن ثم تحرير أفكارهم وآرائهم، بشكل لا يلفت اليه إنتباه المستعمر وعيون عسسه المبثوثة في كل مكان. * ثم خطا بعد ذلك خطوة أكثر مباشرة، حين كانت له اليد الطولي، في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي أُنتخب رئيساً لها، وقد اختار لها هذا الشعار المعبر: “الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا”. يحدّد هذا الشعار، بشكل قاطع، خصائص الشعب الجزائري ومقوماتة الأساسية، المتمثلة بمثلث الخصوصية الجزائرية،التي لايمكن أن تستغني عن أحد أضلاعها. والملفت للإنتباه أن إبن باديس -الذي يؤكد على عروبة الجزائر ليس بعربي الأرومة. فهو بربري الأصل، لكنه لا يرى ضيراً بأن يكون عربي الإنتماء، لأن العربية لغة القرآن أولاً وقبل كل شيء. وبذا يعود الفضل الى إبن باديس في بلورة هوية الجزائر المسلمة. * بذلت جمعية العلماء نشاطاً ضخماً، في التعليم والارشاد والتوعية الوطنية، فأنشأت العديد من المدارس الابتدائية والثانوية والعليا لأبناء الشعب. وشجعت وأعانت بعضهم على التعلم، في الجامع الأزهر في مصر، وإمتدّ نشاطها الى العمال الجزائريين في فرنسا.* عندما إطمأن إبن باديس الى أن الجمعية قد ترسخّت وتحصنت بثقة ودعم الشعب، راح يفصح عن دورها السياسي، وها هو يرئس وفدها الى باريس عام 1936م، للمطالبة بحقوق الجزائر فيهدد (دالادية) الوفد بوقاحة محذرّاً: “لدى فرنسا مدافع طويلة”. فيردّ عليه إبن باديس: “ولدينا مدافع أطول”. فيتساءل المسؤول الفرنسي مندهشاً عن هذه المدافع، التي هي أطول من مدافع فرنسا، فيجيبه الشيخ باعتزاز: أنها مدافع الله. * كان شديد الحملات على الاستعمار، وحاولت الحكومة الفرنسية في الجزائر اغراءه بتوليته رئاسة الأمور الدينية، فامتنع وأُضطهد وأُوذي، وقاطعه أخوة له كانوا من الموظفين، وقاومه أبوه، وهو مستمر في جهاده، ولم يجد مناصاً من الدعوة المباشرة الى الثورة المسلحة، وحين يسأله تلاميذه: كيف يمكن تخليص الجزائر من قبضة الاستعمار؟، يشير الى الجبال البعيدة قائلاً: هناك سيكون الخلاص. * لقد كان إبن باديس -بحق- باعث النهضة الإسلامية/ العربية في الجزائر الحديثة، والواقع أنه لم يكن مربياً ومعلماً لجيل كامل من أبناء الجزائر البررة، ممّن تحملوا مسؤولياتهم في ثورة المليون شهيد وألحقوا الهزيمة النكراء بالإستعمار الفرنسي فحسب، وإنماكان الى جانب ذلك قائداً سياسياً ملهماً للوطنيين الأحرار في الجزائر، في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، وكان مصلحاً عظيماً يتمتع بقوة روحية هائلة، أثرّت في كل من إحتكّ بها، سواء من قريب أو من بعيد، وبثّت إشعاعاتها الروحية والفكرية في كامل أنحاء الجزائر، وفي بقية بلدان المغرب العربي الأخرى. * مات مسموماً في ربيع الأول 1359هـ (16نيسان/أبريل) 1940م. أهــم المراجع: 1. الأعلام للزركلي 289:3. 2. لافتات على الطريق لأحمد سويد:59. 3. جمعية العلماء الجزائريين وأثرها الإصلاحي للدكتور أحمد الخطيب:120 وما بعدها. 4. أسس التقدم عند مفكري الإسلام لفهمي جدعان:557. 5. مجلة العربي (الكويت)، العدد 173: نيسان 1970م. |