| من اعلام الامة ... ابــن خلـــدون |
|
جاسم محمد صالح لعلماء امتنا العربية السبق في كل شيء، ولهم الدور الاسمى والاجل في بناء الحضارة البشرية ورقيها، فلولاهم ولولا جهودهم وابتكاراتهم وابداعاتهم المختلفة لما كان للانسانية هذا التراث المجيد، وعالمنا العربي (عبد الرحمن بن خلدون) يقف في مقدمة هؤلاء العلماء العباقرة لاكثر من اعتبار، فأفكاره جديدة لم يطرقها احد من ذي قبل. ونظرياته سديدة اثبتت جدارتها وقدرتها وصحتها حتى يومنا هذا... وكل متناولاته وتوقعاته للامور اتت صائبة مما ادهش علماء القرن العشرين فاعتبروه مؤسساً لكثير من العلوم الانسانية كالاجتماع والتاريخ والمدينة والعمران، ومن قرأ كتابه (مقدمة ابن خلدون) يقف مذهولا امام عظمة الاراء التي طرحها هذا المؤلف المرموق... وعلى الرغم من ان اطروحاته كثيرة الا اننا سنتناول بعضا منها اتماما للفائدة، فابن خلدون رفض المنطق الخالص في معرفة الامور واكد بان التجربة عنده مقصورة على الممارسة الفردية بل هي جهود الجميع باتجاه المعرفة، وبين ان الروح الانسانية تمتلك رغبة واصالة لمعرفة الاشياء وان شعور الانسان بجهله في مواضيع كثيرة هو في حد ذاته نوع من المعرفة.ان نظرية (ابن خلدون) في التاريخ نظرية اصيلة، فالوقائع ترتبط بعضها ببعض ارتباط العلة بالمعلول، وان ( موضوع التاريخ) يمثل عنده الحياة الاجتماعية للانسان وما يتصل بها من حضارة مادية وعقلية للجماعة التي يرى انها تتطور من حال الى حال وانه (اي التاريخ) على نوعين:1. ظاهري- لايزيد على مجرد اخبار.2. باطني- كله نظر وتحقيق وتعليل وعلم بكيفيات الوقائع واسبابها، (وانه فن غزير المذهب جم الفوائد شريف الغاية) فنشأة الدول والجماعات الكبرى في منظور (ابن خلدون) تكون كما يلي:جماعة تبني، وجماعة تحافظ على ما بنته الجماعة الاولى، وجماعة تهدم وهي الاخيرة، فعلى هذا الشكل سادت الحضارات البشرية ثم بادت وفق منهج نظرية التاريخ ونشوء الدولة العربية الاسلامية وسقوطها على يد المغول في بغداد سنة 656 هـ مثالا لذلك، هذا ما طرحه (ابن خلدون) وأكد عليه في كتبه.اما(نظريته الاجتماعية) فكانت تبحث في قوانين الحياة من خلال دراسة التاريخ من الداخل وان موضوع (التاريخ الداخلي) هو العمران، اي حياة الانسان الاجتماعية فأكدت نظريته على ان اتحاد الانسان في مجتمع يولد اسسا جديدة اساسها ضرورة الادارة والتوجيه ويتطلب المجتمع من قيادته المنظمة ان تسيطر على تضارب المصالح الشخصية وتحد من اندفاعات اعضاء المجتمع في سبيل غاياتهم الفردية، وان تجمع الناس في المدن وتوزع العمل فيما بينهم هو السبيل الفعال التطور الاجتماعي وهو وحده الذي يتيح طرح المنتجات الاضافية وهي من اهم شروط التقدم، وان التربية هي ظاهرة اجتماعية لابد منها .هذه هي اهم محاور نظرية (بن خلدون) فقد كانت سابقة لكثير من النظريات التي جاءت بعدها امثال نظريات(ريكاردو) وغيره، فـ (ابن خلدون) يقول: ( الكسب هو حقيقة الاعمال البشرية.. فالانسان متى اقتدر على نفسه وتجاوز طور الضعف سعى في اقتناء المكاسب لينفقها منها.. فلا بد في الرزق من سعي وعمل... ولابد من الاعمال الانسانية في كل مكسوب) وقد اكد في اكثر من مكان في مقدمته من ان المال اي الاقتصاد بالمفهوم الحديث هو اساس الدولة والمجتمع وان حصول الافراد على المال يولد بينهم علاقات مختلفة ومتطورة ومتغيرة تبعا لتطور حالتهم الاقتصادية، وان فهم التاريخ الانساني ودراسته يجب ان يتم من خلال هذا المفهوم.وهاجم ابن خلدون في نظريته الاقتصادية (الاحتكار) كأسلوب في التعامل الاقتصادي واعتبره سببا في خراب الامة والمجتمع وعده سببا من اسباب الركود الاقتصادي فقال: (واعظم من ذلك في الظلم وافساد العمران التسلط على امال الناس بشراء ما بين ايديهم بابخس الاثمان ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الاثمان فتشمل الخسائر سائر الاصناف والطبقات وتتوالى على الساعات وتجحف عليهم برؤوس الاموال ولا يجدون عليها وليجة الا العقود عن الاسواق)، وقد بين (ابن خلدون) قانون العرض والطلب بشكل واضح ومفهوم وهذه الطبيعة الاقتصادية لتصوره كانت الشرط الاساس لوجود المجتمع الذي يقوم على إنتاج البضائع من قبل كثرة من صغار المنتجين.وخلاصة ما نقول ان اراء (ابن خلدون) في (التاريخ) و (الاجتماع) و (الاقتصاد) كانت نتيجة كثير من العوامل التي تضافرت للوصول الى شكلها الذي وصلت اليها منها :1. براعة (ابن خلدون) وتألقه الفكري وسعيه الدائب والحثيث نحو الابداع.2. جولاته الكثيرة وتنقلاته التي جعلته يطلع على كثير من الامور.3. عيشه في شمال افريقيا (تونس والجزائر والمغرب) بمدنها التجارية وموانئها ذات الحركة والنمو والوضع الاقتصادي والتجاري والثقافي لتلك الاصقاع.4. حصيلة التجارب العلمية العظيمة التي افرزتها العصور الفلسفية الاسلامية في مجالات كثيرة كالتاريخ والفقه والعلوم. |