مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

في الهواء الطلق وعلى أوسع المساحات

ملامح المشــــروع الوطني للشهيد الصــــدر

حسن السـعيد

طرح الواقع السياسي- الاجتماعي المعاصر ظاهرة من أهم الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية قاطبة، في الحقبة المعاصرة، وهي ظاهرة الإحياء الإسلامي- كما شاع المصطلح في الأدب السياسي والاجتماعي الغربي- أو العودة إلى الإسلام، باعتباره نسقاً كلياً يتضمّن أنساقاً فرعية عديدة (اقتصادية، وقانونية، وسياسية، وقيمية، وثقافية) باعتبار هذه الأنساق قادرة على مواجهة متغيرات العصر، بكل أنماطها وتفاعلاتها، وتمثّل الطرح المضاد للإطار الحضاري الغربي.

هذه الظاهرة جاءت لتطرح عديداً من الإشكاليات التاريخية المرتبطة بشكل النظام السياسي وهويته الأيديولوجية، ومكونات البنية الثقافية للمجتمع المسلم، ومدى العلاقة بين التراث والمعاصرة، والعلاقة مع الغرب، إلى آخر هذه الإشكاليات المزمنة في الفكر والثقافة العربية المعاصرة.

 

 

غير أن من بين أبرز هذه الإشكاليات الكبرى، التي تعكس بأمانة المعضلة العربية الراهنة، العلاقة بين التيار الإسلامي والتيار العروبي، وينسحب الأمر على الإتجاه الوطني. فليس ثمّة شك بأن هناك أزمة في العلاقة بين التوجهين، وذلك لأسباب لسنا بصدد الخوض فيها.ما يعنينا هنا هو؛ كيف عالج السيد الشهيد ملف “الوطنية”؟. وهل لديه مشروع وطني؟.للإجابة لا بدّ من استحضار حقيقة معروفة، ألا وهي أن الشهيد الصدر رائد لمشروع إسلامي حضاري، يعتز أيّما اعتزاز بهويته الإسلامية، ويتسم بأصالته المتميزة. منطلقاً في آفاق واسعة، تتعدى الإطار القومي فضلاً عن الوطني. لكنه في نفس الوقت لم يقفز على الواقع، أو يتجاهله، فقد كان يراعي “الخصوصية العراقية”، برغم رفضه المطلق للحدود الوهمية التي اصطنعتها كواليس اللعبة الدولية، وكرّستها الإقطاعيات الحاكمة. فهو يؤمن بثاقب نظرته الموضوعية، أن الخصوصية أمر واقع، لهذا نجده قد أولاها اهتمامه ورعايته، عبر مشروعه الوطني، الذي تجلّى واضحاً صريحا، إبّان احتدام المواجهة الساخنة بينه وبين النظام الديكتاتوري، خاصة في نداءاته الثلاثة التي وجهها الى الشعب العراقي، وكان يحرص على أن يفتتحها بعبارة “أيها الشعب العراقي المسلم” و”يا شعبي العراقي العزيز” و “يا شعبي يا شعب آبائي وأجدادي”، وتتمثل ملامحه في ما يأتي: 1- الخطاب غير الطائفيبرغم أنه من المراجع الكبار لأتباع مذهب أهل البيت (ع)، لكنة لم يُؤثَر عنه أنه تعاطى الخطاب الطائفي، بل كان في الضد من ذلك، فقد عاش طيلة عمره الشريف هاجس التقريب بين المذاهب، ومن الدعاة المتحمسين للفكرة، حتى أن بعض غلاة القوم قد وصموه وخطّه بالوهابية.وهاهو يوجه خطابه الإسلامي، المتعالي على وحل الطائفية ومنطلقاتها الضيقة، فيقف من الجميع على مسافة واحدة، والكل لديه سواسية؛ أخوانه وأولاده، لا فرق بين سني أو شيعي، معلناً عن أبوّته للجميع، وتضامنه مع الجميع، كما ورد في ندائه الثالث(20شعبان1399هـ): “فأنا معك يا أخي وولدي السني، بقدر ما أنا معك يا أخي وولدي الشيعي.. أنا معكما بقدر ما أنتما مع الإسلام، وبقدر ما تحملون من هذا المشعل العظيم، لإنقاذ العراق من كابوس التسلط والذل والاضطهاد”.إن الطاغوت وأولياءه يحاولون أن يوحوا إلى أبنائنا البررة من السنة أن المسالة مسألة شيعة وسنة، ليفصلوا السنة عن معركتهم الحقيقية ضد العدو المشترك.وأريد أن أقولها لكم يا أبناء علي والحسين، وأبناء أبي بكر وعمر أن المعركة ليست بين الشيعة والحكم السني. إن الحكم السني الذي مثله الخلفاء الراشدون، الذي كان يقوم على أساس الإسلام والعدل، حمل علي السيف للدفاع عنه، إذ حارب جندياً في حروب الردة تحت لواء الخليفة الأول -أبي بكر- وكلنا نحارب عن راية الإسلام، وتحت راية الإسلام، مهما كان لونها المذهبي. إن الحكم السني الذي كان يحمل راية الإسلام قد أفتى علماء الشيعة -قبل نصف قرن- بوجوب الجهاد من أجله، وخرج مئات الآلاف من الشيعة، وبذلوا دمهم رخيصاً من أجل الحفاظ على راية الإسلام، ومن أجل حماية الحكم السني الذي كان يقوم على أساس الإسلام.أن الحكم الواقع اليوم ليس حكما سنيا، وان كانت الفئة المتسلطة تنتسب تاريخيا إلى التسنن.أن الحكم السني لايعني حكم شخص ولد من أبوين سنيين، بل يعني حكم أبي بكر وعمر الذي تحداه طواغيت الحكم في العراق اليوم في كل تصرفاتهم، فهم ينتهكون حرمة الإسلام وحرمة علي وعمر معاً في كل يوم، وفي كل خطوة من خطواتهم الإجرامية. 2- الانفتاح:لم يكن السيد الشهيد منغلقاً، بل كان منفتحاً كأروع ما يكون الانفتاح. و الدليل على ذلك مواقفه الإنسانية المنطلقة من تكليفه الشرعي، فهو يحمل هموم المسلمين، بل كل المعذبين في الأرض، سواء أكانوا في العراق أم خارجه، ومن ذلك شجبه قرار حكم الإعدام الصادر على الشهيد سيد قطب عام 1966م، ودفعه المرجعية إلى إرسال برقية استنكار إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر.كما أنه واكب منذ شبابه المبكر النتاجات الإسلامية، وكان يحرص على قراءة صحيفة الحساب التي أصدرتها جماعة الإخوان في العراق خلال الخمسينيات.فضلاً عن أنه منفتح، بلا أية عقدة، على كتابات المفكرين الإسلاميين، وطالما كان يحضّ طلابه ومريديه على قراءة كتابات المفكرين الإسلاميين، كمالك بن نبي، وأبي الأعلى المودودي، وعماد الدين خليل، ومحمد أسد (ليوبولد فايس)، وغيرهم.ومن خلال الاطلاع على مراسلاته الخاصة، يتبين لنا مدى اتساع شبكة العلاقات الوطيدة، التي تربطه بالعديد من الشخصيات العلمية، والاجتماعية، والدينية، والفكرية، والأوساط الثقافية. أمّا على صعيد الساحة العراقية، فقد كانت للشهيد علاقات طيبة مع أطراف واسعة، حتى استطاع أن يمد الجسور مع بعض العناصر القيادية، في الحزب الحاكم، كما تسرّب لاحقاً من وجود علاقة غاية في السرية مع عدنان الحمداني، حاول أن يوظّفها لمصلحة البلاد والعباد. 3- الأخلاق محور العمل السياسي:لايكاد يختلف اثنان في أنّ السيد الشهيد كان عالماً ربانيّاً، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. من هنا نستطيع القول إن النزعة الأخلاقية غدت مَلَكَة ملازمة له، لا انفكاك لها، وقد طبعت سلوكيته في كل مناحي حياته الاجتماعية، والفكرية، والسياسية، والتربوية..ولمّا كان السيد الشهيد رائداً لمشروع إسلامي حضاري، يُعد بحق امتداداًً لخط النبي (ص) وآله الأطهار(ع)، فليس من المبالغة القول بأن منهجه يمثل مدرسة الإسلام المحمدي الأصيل، بكل ما تتسم فيه من أفق رحب، وأصالة ومبدأية، وأخلاقية عالية. وبهذا يكون قد أرسى معالم صرح مدرسة في الطهر والنقاء والتألق الفكري، وأضفى لوناً جديداً للسياسة بمفهومها الإسلامي. إذ درج الناس، بمن فيهم النخبة، على اعتبار السياسة مصداقاً للكذب والدجل والرياء والنفاق.. والضحك على الذقون. أما السيد الشهيد فقد شدّد على ضرورة، بل وجوب الالتزام بالأخلاقية في العمل السياسي، وطالما أكد على طلابه ومريديه على مراعاة هذه النقطة، وبذا يتميز الإسلامي عن غيره. لقد أفلح السيد الشهيد في إيجاد تكتل إسلامي يتبنّى المفهوم الأخلاقي في العمل السياسي، سواء على مستوى النظرية أو التطبيق.بدوره مارس السيد الشهيد الصبغة الأخلاقية، بأعلى صورها، مع محبيه ومبغضيه، مؤيديه ومعارضيه، أنصاره وخصومه، مريديه وأعدائه. ولم تغادره هذه الخصلة السامية، طيلة عمره الشريف، (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة). 4-كسر اغتراب الحوزة:سبق وأن أشرنا إلى أن الحوزة عاشت حقبة من الانكفاء، وذلك لأسباب معروفة، لامجال لذكرها، فعمل الشهيد، مذ عرف مسؤوليته، على كسر الطوق المضروب عليها، التي أسهمت هي في تكريسه، تحت هذه الذريعة أو تلك. وحاول جاهداً أن يبعث في أوصال الحوزة روح التجديد والانبعاث، وقد خطا في هذا الاتجاه خطوات نوعية، أوشك على جني ثمارها اليانعة، لولا امتداد يد الغدر والجريمة إليه، والإجهاز عليه وعلى مشروعه، بالطريقة البربرية التي تطرقنا إليها.وبرغم فداحة الخطب، وجسامة الخسارة. فإنّ الشهيد الصدر أطلق مشروعه الكبير، في الهواء الطلق، ومدده على مساحات واسعة من الوطن الإسلامي، وليس بمقدور أية قوة قاهرة أن تحول بينه وبين المتطلعين إلى غد مشرق، تحدو الركب فيه أطروحة الشهيد الصدر، بديلاً حضارياً للإنقاذ والخلاص.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home مرافيء مرافيء في الهواء الطلق وعلى أوسع المساحات
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة