مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

صورة الإنسان العراقي على الشاشة

توفيق البصري

بعد ان دخل العراق مرحلة الفضائيات الخاصة فقد دخل بالوقت نفسه مرحلة الإنتاج الدرامي والفني الخاص والمستقل. فبعد الرقابة الشديدة والعنت الذي واجهه الفنانون انفتحت أمامهم العمل والإنتاج دون قيود وبلا حدود. وإذا أردنا في البداية تنحية ما يمكن ان نرصده من مواقف قد تستغل هذه الحرية غير المسبوقة وتسيئ إلى الوحدة الوطنية والى العملية السياسية فان جوانب أخرى تستدعي أيضا الوقوف عندها طويلا. وفي مقال سابق وفي نفس صحيفة المنتدى الغراء كنا قد تناولنا موضوعة الأثر السلبي والسيئ الذي تتركه بعض الأعمال الدرامية على التماسك الوطني في هذه المرحلة القلقة من تاريخ البلاد. واشرنا في نفس المجال إلى بعض المسلسلات التي تم إنتاجها في "دول الجوار" العربي راصدين ما اعتبرناه مهمة مركزية لهذه المسلسلات وهي "تسفيه" الجهود التي تبغي بناء الدولة الجديدة في العراق. وسوف نحاول اليوم الحديث عن جانب آخر من جوانب الفن العراقي وعلاقته بمستقبل البلاد والأثر الذي يتركه "سلبا وإيجابا" على المتلقي.

من المعلوم ان صناعة السينما في العراق تعاني أزمة مزمنة لم تتح لها التوسع في إنتاج الأفلام وترسيخ بنية صناعية سينمائية في البلاد. فقد اقتصر الأمر على بضعة أفلام ساذجة في اغلبها أو مؤدلجة في البعض الآخر أما الأفلام التي استوفت شروط العمل الفني في تاريخ السينما العراقية فتقل عن أصابع اليد الواحدة. ولهذا السبب شكلت الدراما التلفزيونية العراقية الثقل الأكبر في الإنتاج الدرامي العراقي. وفي الفترة الأخيرة طرا "الفيديو كليب" متوسطا بين الفشل السينمائي والكم الدرامي التلفزيوني الذي سوف نتحدث عن بعض ملامح الإنسان العراقي كما عكستها اغلب الأعمال الدرامية العراقية.
ولابد من الإشارة المختصرة إلى موضوعة التأثير أو الرسالة التي يحملها العمل الدرامي إلى الإنسان. من المعلوم ان الميزة التي يمتاز بها العمل الدرامي تختلف عن وسائل الاتصال السابقة عليه مثل الكتاب والمجلة والجريدة والمدرسة. تتميز هذه الوسائل القديمة بخطابها الأحادي والمباشر. أي أنها تخاطب فردا واحدا كان يكون المثقف عن طريق الكتاب أو الجالس في العيادة بتقليبه لمجلة ما أو التاجر الذي يقلب صفحات الجرائد بحثا عن أسعار العملات. أما ميزة العمل الدرامي فانه يخاطب هذه الأصناف الثلاثة من الناس إضافة إلى الأصناف الأخرى التي يمكن ان تطرأ على مخيلتنا.
ان الطالبة وربة المنزل وعالم الدين والمثقف كلهم يخضعون لتأثير الدراما وبحسب قوة دفاعاتهم الإدراكية أو ضعفها. ومن جانب ثان فان التأثيرات التي يمكن رصدها على المشاهدين لا تأتي بطريقة مباشرة كما في وسائل الاتصال القديمة. إذ تبقى هذه التأثيرات كامنة في لا شعور المشاهد وقد تظهر عند أية خبرة يواجهها الفرد في حياته. وعلى سبيل المثال تراكم الفتاة ومن خلال المسلسلات المدبلجة في ذهنها نوعا من شرعية "الزنا" كما تقدمه هذه المسلسلات وذلك باعتباره حرية جنسية. وفي المواقف التي تواجهها هذه الفتاة في حياتها العملية قد يخترق هذا التكرار منظومتها الدفاعية حتى لو كانت قوية مؤثرا على خياراتها في مستوى عميق من اللاشعور الذي يتكون بالتكرار المصاحب لتوازي الصوت والصورة في العمل الدرامي.
-2-
الشخصيات "الأبطال" التي تحفل بها الدراما العراقية هي شخصيات نمطية يقف في مقدمتها الموظف وربة البيت والفقير والرجل أو المرأة الرومانسية الحالمة. وقبل سقوط النظام لم تكن شخصية المجرم أو  المرأة الساقطة تشكل حضورا طاغيا كما يحدث في الدراما المعاصرة. وعلى الرغم من وجود هذه الشخصيات بالفعل في المجتمع العراقي إلا ان زاوية التناول غالبا ما تجنح نحو صور نمطية تقيد بها هذه الشخصيات مما يكسبها وجودا "زائفا" وغير مقنع. فغالبا ما تظهر الأم أو ربة البيت بصورة شبه مثالية أو متسلطة. ان هذا التنميط لا يعبر عن غنى درامي ولا عن تنوع اجتماعي وبالنتيجة لا يعبر عن صورة مطلوبة يحتاج إليها المجتمع العراقي لمعرفة نفسه واكتشاف ذاته.
أما شخصية الموظف فهي الأخرى تعبير عن تكرار ممل لمكاتب سقيمة يمر عليها الوقت بالنميمة والثرثرة أو الأداء البروتوكولي الكاذب. ان هذا الأداء يشعر المشاهد دائما بتناقض بين الحقيقة والواقع. أي حقيقة الموظف كما يراه المشاهد في دوائر الدولة وواقعه في المسلسلات الدرامية.
أما صورة المرأة "الآنسة" فإنها تمثل البحث عن الزواج أو الرجل فقط. ورغم ان ذلك صحيح في اغلب جوانبه إلا ان لا يشكل الصورة الكاملة لجيل من العاملات والموظفات والمؤمنات اللواتي يشعرن فعلا برسالة تضغط على أحاسيسهن وأخلاقهن ويعبر ن عنها بمختلف الصيغ والأساليب وطرائق العمل. ومن الغريب إلا تحفل هذه الأعمال الدرامية بالنجاح المتكرر لشخصية المدرسة العراقية إلا لماما. وعلى العكس من ذلك تظهر هذه الشخصية متفيقهة أو ثرثارة تكرر لوازم لغوية دون ان تعبر عن معنى كامن خلف هذه اللوازم.
وقد توارت عن الأعمال الدرامية العراقية شخصيات فرضت حضورها الاجتماعي على الأسرة والمجتمع. فشخصية ذوي الاحتياجات الخاصة أصبحت مألوفة في مجتمع الحروب والكوارث التي سببها النظام الساقط. ان هؤلاء المعاقين هم أناس مثلنا يشعرون ويحبون ويكرهون ولم ينعكس كل ذلك في الدراما العراقية رغم ان نسبة هؤلاء في العراق إلى عدد السكان تعتبر كبيرة جدا في القياس العالمي. والشخصية الأخرى المهملة "دراميا" شخصية المؤمن والمؤمنة الذي يصارع من جهة قوانين التخلف الذي يعيشه في وطنه وقيم التغريب والإلحاد والإباحية الجنسية المتحدرة عن الثقافة الغربية. وتسجل هوليوود دائما سبقا مرموقا وإنسانيا في تناول هذه النماذج يعطي انطباعا بان هذه المؤسسة الهائلة العملاقة لا تعتني فقط بجني الأرباح بل وتحفل دائما بهذه النماذج التي تعيد إليها إنسانيتها وتردها إلى محيطها الاجتماعي بعد اغتراب تعانيه من الذين يرفضونها ويحاولون عزلها.
واذكر بحسرة ان اوسكار أفضل ممثلة لهذا العام قد نالته امرأة زنجية تمثل دور أم لشابة زنجية شديدة السواد ومفرطة السمنة والقبح. تحاول الأم في هذا الدور وإحدى مدرسات الفتاة تأهيل هذه الشابة للحياة وتجاوز أزمتها مع السمنة المفرطة والزنوجة. وقد حمل الفيلم اسم ما ترجمته باللغة العربية "الثمين". والثمين هنا هي هذه الفتاة التي اعتبرتها إحدى مدرساتها إضافة إلى أمها "صاحبة الأوسكار" أثمن من الذهب والمال. تحقق كل من الأم والمدرسة ذاتها أخلاقيا ودينيا بإعطاء فسحة من الأمل لهذه الفتاة. علما ان الفتاة "القبيحة" كانت هي الأخرى مرشحة لجائزة الأوسكار متجاوزة الشقراوات الرشيقات ذوات العيون الخضر المستعدات للتخلي عن كل ملابسها في أي فيلم.
وأتساءل هنا كم أرملة عراقية أو عانس فاتها قطار الزواج أو ممن تفتقد الجمال الذي يؤهلها للزواج بحاجة إلى هذه اللمسات الإنسانية والتي تعتبر من صميم رسالة الأديان وتوق الإنسان أن يعيش بآدميته مشاركا الآخرين حفظ كرامتهم وإنسانيتهم.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home مرافيء مرافيء صورة الإنسان العراقي على الشاشة
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة