|
علي السعدي قدمت هوليود مئات الافلام التي تتحدث فيها عن العرب، وقد خاطبت بهذه الافلام العالم الغربي عموما والامريكي خصوصا، وقد اعطت من خلال هذا الكم من الافلام فكرة واضحة وخطيرة عن الصورة التي تقدم بها هوليود الانسان العربي للعالم. وقد كانت الصورة العامة ان العربي همجي وارهابي ولا انساني. لذلك قرر الاستاذ “جاك شاهين” دراسة هذا الموضوع في بحث قدمه الى جامعة جنوب الينوي والتي يعمل فيها بصفة استاذ فخري، خلص في بحثه الى نتيجة مهمة وهي (ان العرب هم اكثر الناس تعرضا للافتراء في عالم هوليود اذ يتم تصويرهم على اساس انهم دون البشر وقرابة 25% بين افلام هوليود تهين العرب بطريقة او باخرى). ان السينما الامريكية هي بلا شك اكثر انتشارا ومشاهدة في العالم وهي بذلك تكون اكثر تاثيرا في الناس وهي ايضا اكثر قدرة على تكريس الصورة التي تعطيها او تخلقها هي. صور مختلفة شتى قدمتها هوليود عن ذلك المخلوق العربي فنشاهد هنا صحراء فيها واحة واشجار ونخيل وقصر ذو حجرة تعذيب في القبو ويجلس الملك على عرشه والجواري تحيط به، ولان طبيعته دموية ولم تستطع كل الجواري المحيطات به ارضاءه فانه يسعى لخطف تلك الشقراء ابنة الغرب والتي ترفض بدورها هذه الصورة وهذا الاغراء.
هذه واحدة من الصور النمطية وهنالك صور اخرى مظلمة كذلك كخلق اجواء الف ليلة وليلة والناس يتجولون على بسط سحرية وهناك من يلاعب الثعابين ويرتدون العمائم ورجال يحملون السيوف الطويلة والنساء اما جوار او راقصات بملابس شفافة واذا ارادوا ان يقدموا صورة افضل فانها ستكون على نحو يبدو معها العرب كمهرجين او انهم عديمو الكفاءة وغالبا ما تشير هذه الافلام الى الشيخ العربي الثري الفاسد ذي الشهوة العارمة شديد الهوس بالمراة الغربية، وحتى التي لا علاقة لها بالشرق الاوسط يتم اقحام العرب السيئين فيها وارشيف هوليود يزخر بالكثير من الامثلة التي سنجد في كل منها على الاقل واحدا من هذه الصور وعلى سبيل المثال فيلم “دعوة الى الرقص” الذي انتج عام 1956، “جوهرة النيل” 1985، “العودة الى المستقبل” 1985. يقول جاك شاهين: ان منبع هذه الافكار يعود الى المستشرقين الاوربيين عند زيارتهم الشرق قبل اكثر من مائتي عام واطلعوا على حضاراته وتراثه المعرفي والادبي المتنوع، فعادوا بكتاباتهم ولوحاتهم التي سجلت الشرق كما ارادو لا كما هو، ومن هنا تأثر المستشرقون الامريكيون بهذه التطورات “الجواري، الراقصات، الرجال الباحثين عن اللذات، العنف، المتخلف، الجهل” وهي تصورات الاستعلاء والتفوق على الحضارة والثقافة العربية والاسلامية وتجاهل دورها التاريخي ولان الغرب ذو اطماع وافكار استعمارية لم تتغير منذ مئات السنين، إلا انه استطاع ان يغير طرقه للوصول الى تلك الاطماع والافكار، فكان لا بد من توظيف السينما في هوليود لخدمة هذه الغايات عبر تكريس صورة دونية وسيئة عن العرب وتنميطها بجعلها الصورة الوحيدة التي تنسحب على كل العرب ليكون الوصول الى الاهداف مبررا، فهم محتلون لأنهم ارهابيون وهم متخلفون لانهم بحاجة الى من يطورهم ويعلمهم ويثقفهم وهم بحاجة الى من يعلمهم كيف يستغلون خيراتهم وثرواتهم. كما ان ثمة احداث اخرى كانت مسؤولة عن المزيد من التشويه للعرب، ويقول الاستاذ الفخري جاك شاهين في بحثه: “ان الصراع العربي الاسرائيلي والحصار العربي على النفط في السبعينات الذي اغضب الامريكيين عندما ارتفعت الاسعار بشكل لم يسبق له مثيل، والثورة الايرانية التي زادت حدة التوتر بين الاسلام والغرب عندما قام طلبة ايرانيون باحتجاز دبلوماسيين امريكيين كرهائن كل هذه زادت من عداء الغرب للعرب والمسلمين وزاد تشويههم”. لذا لجأت امريكا الى السينما في بث ذلك التشويه ولان السياسة الامريكية تعمل بشكل متواز في جميع الاتجاهات وعلى مختلف الصعد “الفنية، الاقتصادية، الاجتماعية، الرياضية والدينية” لذلك لا نستغرب ما صرح به رئيس جمعية الصور المتحركة الامريكية بأن “واشنطن وهوليود تشتركان بنفس الجينات”. ان هذه السنوات الطويلة لصورة العربي او المسلم بدأ شكلها بالتغير الا ان مضمونها ظل محافظا، فالمرأة العربية والمسلمة تحولت صورتها من جارية وراقصة الى محجبة خاضعة وقابعة في الظل، والامثال في ذلك كثيرة ففيلم “الشبكة” الذي انتج عام 1976 احد امثلة الافتراء على العرب في سبعينات القرن الماضي، حيث الادعاء على العرب قادمون لشراء اراضي واسعة في اميركا وهي ذات فترة الحصار العربي للنفط حيث في الفيلم يدعو مذيع احدى المحطات التلفازية الشعب الامريكي للوقوف ضد عملية شراء الاراضي تلك وهم يحاولون شراء حصص كبيرة في فضائيته تلك ويوجه تعليقات عنيفة وغاضبة ضد العرب فيستجيب لذلك مشاهدو تلك الفضائية. ولان نجاح اسرائيل في مساعيها الاستعمارية على ارض فلسطين يعني حماية المصالح الامريكية في منطقة الشرق الاوسط فكان لا بد من ان تدعم السياسة الامريكية الصهيونية في ذلك بالانحياز التام لصورة الاسرائيلي كصفحة للعنف الفلسطيني في سينما هوليود. بالمقابل افتراء بلا حدود يظهر صورة العرب والفلسطينيين كأشرار وارهابيين اشبه بالنازيين يخطفون ويقتلون الاسرائليين بدم بارد دون اية رحمة او مبرر وهي صورة غير عادلة على الاطلاق للصراع العربي الاسرائيلي، حجبت حقيقة العربي الفلسطيني كضحية وصاحب حق في الدفاع عن حياته وارضه التي سلبت منه وحجبت حقيقته كانسان كابد الكثير من المجازر التي ارتكبها الاسرائيليون بحقه وما افلام “الترحيل الجماعي، الموت قبل العار، الق ظل عميقا” الا دليل لذلك التوجه. وبعد كل ذلك تحرينا اسئلة منها: اذا كانت وزارة الدفاع الامريكية تساهم في تمويل افلام سينمائية كي تخدم سياستها في منطقتنا فماذا تفعل حكوماتنا العربية ازاء ذلك؟ وهل تمتلك رؤية واضحة لما ينبغي فعله؟ وهل لدينا خطط استراتيجية مناسبة؟ وهل تعلم ادراك اهمية السينما في خدمة السياسة؟ هل نحن معنيون اصلا بالعمل على كشف هذه الاكاذيب والافتراءات. وهنا لا بد من الاستنكار لما عاناه المخرج الراحل مصطفى العقاد من اجل تمويل بعض افلامه التي اعطت صورة رائعة للاسلام والعرب وما فلمي “الرسالة” الذي انتج عام 1976، و”عمر المختار” عام 1981، الا نموذجين رائعين لذلك المشروع الرائد حيث استطاع ان يقدم للعالم صورة مشرقة عن العرب والمسلمين والدعوة لذلك مفتوحه لكل المخرجين والمنتجين والممولين من اجل حرب الصور التي اعلنها الغرب على العرب ومواجهتها. |