| عندما يشــوَّه التاريخ بالدراما..! |
|
نوال السبع المراقب في الآونة الأخيرة جملة المسلسلات السورية التاريخية التي بدأت تفرض نفسها على ساحة الفضائيات العربية، يجد نفسه أمام إشكالية خطيرة تتلخص في كونها أعمالاً فنية ذات مستوى متميز من الناحية الإبداعية، وما تعلّق بها من أداء إنساني، يستوي في ذلك الممثلون والمخرجون ومهندسو الديكور ومصممو الملابس. ولكنه يصطدم بحقيقة مفجعة لا تخفى نفسها، وهي عين البركان الذي قامت حوله إشكالياتنا، فالمسلسلات التاريخية نوعان: نوع يتحدث عن التاريخ القديم يبرز صفحاته الناصعة، ويعمل على ترسيخه بصورة غير مباشرة في أذهان الأجيال، وهذا النوع قلّ أن نجد من يخدمه بشكل جيد، ويمكننا أن نضرب عليه المثل في مسلسل “عصر الأئمة” المصري المتميز. نوع آخر يتحدث عن التاريخ المعاصر القريب منه والآني، وهذه مسلسلات برع فيها المصريون براعة لا تُنكر، ومثال واضح عليها "رأفت الهجان" و"رد قلبي" وغيرهما من المسلسلات التي نجحت نجاحًا مذهلاً، وأصابت من الناس قلوبهم ووعيهم على الرغم من التغيير التاريخي الذي اضطر المخرج أو المعد أو كاتب الحوار أن يحدثه لصالح سير العمل الفني، وهي في مجملها تغيرات لا تضر كثيرًا بواقع أحداث التاريخ، كما هو الحال في معظم المسلسلات السورية التاريخية والتي اتبعت وسيلة لتشويه وتغيير التاريخ بصورة لم يسبق لها مثيل في مجال صناعة الفنون المرئية في العالم العربي، وأبلغ مثالين على هذه المعضلة مسلسل "حمام القيشاني" ومسلسل "إخوة التراب".كذلك فقد ظهرت على الساحة الفضائية جملة من المسلسلات التي تُدعى بالتاريخية وهي صناعة سورية كذلك، ومن ذلك النوع الغريب العجيب، الذي أعجب ما فيه إقبال الجمهور عليه، وهو إقبال غير مفهوم وغير مبرر، اللهم إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار اغراء العناصر الأنثوية السورية كأداة جذب لجماهير عربية ما اعتادت رؤية هذا الجمال العربي، ولا هذا التبذل في غير الحصص المخصصة للسينما العربية، ومثال ذلك مسلسل الكواسر، ورمح النار، ووو... من هذه المسلسلات التي تحكي تاريخًا اجتث من الزمان والمكان، وأصبح فكرًا مجردًا يفرض نفسه على الناس من خلال ما ذكرناه، ولعل اللافت للنظر في هذه الأعمال استخدام العنصر النسائي لأول مرة في التليفزيون العربي، وفي الأعمال المسماة بالدرامية، بهذا الشكل المثير. الدراما غير التشويه وإذا تطرقنا في حديثنا إلى معنى كلمة الدراما، التي كثر استعمالها في الآونة الأخيرة مرتبطة بكلمة السورية لوجدنا تعريف الدراما أبعد ما يكون عن جملة هذه الأعمال الفنية التي صارت تؤدي دورًا فعالاً في تشويه التاريخ العربي والإسلامي الحديث، وتلعب دورًا خطيرًا في تعميق شقة الخلاف والكراهية بين المجتمع العربي، والمجتمع التركي، بسبب إصرارها على لعب ورقة هدامة في إبراز تاريخ الدولة العثمانية في حقبتها الأخيرة التي سقطت على إثرها. وبالرجوع إلى الموسوعة (incarta) ميكروسوفت/99، وموسوعة “توبيو لاروس/93” عُرّفت الدراما بأنها نوع من الفنون المكتوبة للعرض، تختلط فيها الفكاهة بالحزن، والشعر بالنثر، وهي تقدم أحداثًا واقعية عن الحياة لديها القدرة على إثارة الاهتمام وتحريك المشاعر. "الدراما قصة تروي أحداثًا حيوية لمجموعة من الأشخاص، في إطار فكري فيه من التعقيد، وشد الأعصاب والمفارقات وإثارة الشجون ما يجعلها وقفا على هذا الفن". وإذا أخذنا ما كتبه شكسبير مثلاً حيًا على الدراما، لوجدنا أهم ما يميز فنه "التحليل الجريء الواقع وللحقائق التي عاشها، ذلك التحليل الذي منح أعماله خلودًا وبقاء". إذ لا بد في الدراما من مكان واضح، وزمان معروف، وإنسان تعرف من خلاله ما حدث في ذلك المكان من أحداث، ومن علاقة بين الحاكم والشعب ومن مظاهر متنوعة لحياة الناس ومجرى الأمور. الدراما هي تَمَثُل لامع لواقع معين في زمان ومكان معينين لآلام جماعية ومعاناة شعبية، لثقافة أمة ومشكلاتها الاقتصادية والدينية والساسة في عصر من العصور. وإذا ذكر شكسبير فلا بد من الحديث عن موليير الكاتب الفرنسي الشهير والذي تقول عنه الموسوعة ذاتها في مجال الحديث عن الدراما: لقد ابتكر موليير مئات الشخصيات ليُبَلَّغ عن النفاق الذي ساد مجتمع عصره، وذهب بعيدًا وبعيدًا جدًا، أبعد من احتمالات فهم الجملة اللغوية، وعن طريق أحداث دوي وجلجلة في ضمير ذلك المجتمع حركة وهزه بعنف. فهل ما نسيمه دراما تاريخية يتطابق مع ما يمكن فهمه من تعريف الدراما، أو ما يمكن استعراضه من أعمال آبائها ومؤسسيها؟. وهل يبرز العمل الفني انتهاك حرية التاريخ، وحرمة الشعوب، وحقنا في أن تعرف الحق، وتطلع على خفايا الأحداث، وهل يمكننا السكوت على هذه الاســــتباحة الدؤوبة لحقائق التاريخ، وهذا التشويه المتعمد لمعنى الدراما، ولما يمكن أن يستفاد منه في هذا المجال لكشف عيوب المجتمع، وفضح ممارساته في سبيل توجيه السلوكيات العامة نحو التخلص من المآزق التربوية التي دأبنا عليها. وحتى متى سنجتر نفس الأساليب للحديث عن نفس السخافات وتكرار نفس القصص البعيدة عن حياة الناس ومعاناتهم الحقيقية، إنهما وجهان لعملة واحدة، تتلخص في استخدام الفن لغرض رؤية خاصة، وخاصة جدًا، للواقع أولا، ثم للتاريخ ثانيا، في سبيل تعميق الشقة بين الواقع، وما يمكن عمله للخروج منه. |