مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

السينما بين صورتين

علي السعدي

يقول البعض عن السينما هذه الايام بأن صورتها قاتمة، وهي غير مجدية إلا من حيث استقطاع الوقت لأجلها. اما البعض الآخر فقد ذهب مغايراً برأيه لذلك القول حيث ان السينما برأيه في أوج عظمتها وهي ذات صورة مشرقة. ولكي نستطيع الوقوف على اي الرأيين أصح، علينا ان نتتبع بعض الخطوات حيث ان آخر الاحصاءات تشير الى ان السينما العالمية لم تشهد هبوطا في عدد ما ينجز من افلام روائية في جميع انحاء العالم المنتج للسينما، فما زالت السينما الاميركية واليابانية والهندية تحقق ارقاما هائلة في نسبة انتاجها السنوي وقد تصل هذه بمعدل فلمين او اكثر في اليوم الواحد، خصوصا بالنسبة للسينما الهندية. اما السينما المصرية فهي تحقق فلما او فلمين في الاسبوع الواحد، وهذا يعني على ابسط تقدير ان السينما في كل مكان لا تعاني من الخسارة لان دورة رأس المال سريعة وتسجل ارباحا عالية في الواردات.

ومع كل ذلك يبقى سؤال مهم يطرح نفسه هو ما قيمة هذه الافلام المنتجة من الناحيتين الفكرية والفنية؟ ما الذي تقدمه هذه الافلام للمشاهد؟ واذا اردنا الاجابة علينا البحث عن هدف المشاهد الذي يتردد على دور العرض السينمائي في معظم انحاء العالم، كذلك علينا ان نتعرف على طبيعة الافلام الناجحة والتي تحقق ارباحا في شباك التذاكر، وتعود بارباح عالية لمنتجيها. انها افلام تقدم المتعة السريعة من وجهة نظر بعض المشاهدين لا يهمهم سوى قضاء ساعتين من الزمن في صالة العرض السينمائي. لكن تبقى هناك افلاماً عالمية وعربية رائعة تحقق نفس القدر من الارباح او تغطي تكاليف انتاجها على اقل تقدير.
هذا يقودنا الى مسألة مهمة هي نسبة الافلام الجيدة مقارنة بعموم ما ينتج من افلام، فاذا تصاعدت نسبة الافلام الجيدة كانت السينما بخير والعكس صحيح، لان الافلام التجارية كانت دائما موجودة وتنتج بسرعة كي تتلاقفها دور العرض السينمائي في العالم وهي مسألة لاتقلق. اما بالنسبة لجمهور السينما وعلى الرغم من وجود وسائل لهو مختلفة، وعلى كافة المستويات إلا ان الجمهور الذي يبحث عن اللهو سينمائيا جمهور واسع وكبير. وهناك جمهور واع مثقف لذلك وجدت شركات الانتاج السينمائي ان من مصلحتها رفد العرض السينمائي بافلام تعتمد على نصوص ادبية متميزة ومعروفة واخرى تعتمد على سيناريوهات مكتوبة بشكل رصين لمخاطبة الجمهور الواعي والمتميز الذي يجد في صالات السينما ما يحقق به بعضا من رغباته وتطلعاته في فهم ما يجري من حوله من احداث وموجات ادبية وفكرية.
ولأن السينما لم تعد تستقطب هذا الجمهور الواعي إلا ما ندر بسبب عدة متغيرات اقدم المنتجون السينمائيون على تقديم افلام تخاطب الجمهور الآخر الذي يبحث عن المتعة والترفيه والذي لم يتخل عن مقعده الاثير. ومع ذلك فان هناك وجها اخر للصورة، فما زال الكثير من القاعات في انحاء العالم تشهد حضورا واسعا في حالة عرض فلم جديد، في حين لا يجد هذا الفلم الجيد فرصة للعرض العام “اي لجمهور اوسع”. اضافة الى ذلك فان حتى اسماء المخرجين العالميين المشهورين بدأت لا تستطيع استقطاب الجمهور العام وهو الاوسع، لذا فانهم اضطروا الى الاكتفاء بانتاج افلام ذات مستوى عالٍ قليلة العدد بهدف المشاركة بها في المهرجانات العالمية، وبعض المخرجين العالميين لجأ الى وسيلة تعبير اخرى كالمسرح وهذا ما حصل في سنين طويلة مضت حيث سحب المسرح المخرج السويدي “برجمان” من السينما.
عموما فان الجمهور الواسع الذي يقبل على نوع معين من الافلام قد يخذل اي فلم اخر من نفس النوع وذلك بسبب حالة الاشباع والبحث عن نوع جديد ومختلف من الافلام، واذا اخذنا على سبيل المثال على مر السنين الجزء الاول من فلم “سوبر مان” فانه حقق ارباحا خيالية في حين عجزت اجزاءه الاخرى عن تحقيق ارباح مشابهة. لكن ذلك لا ينطبق على فلم “روكي” فقد حافظت جميع اجزائه على حضور متميز بسبب جرعات العنف المتزايدة مع كل جزء، واذا ما شعر بانه قد وصل الى مرحلة نهائية متطورة يلجأ الى تغيير النوع لكن يبقى محافظا على المضمون، لذلك نجد ان بعض شركات الانتاج السينمائي لجأت وسعت الى اعادة تقديم الانواع المجربة والناجحة من الافلام خصوصا تلك التي لاقت نجاحا ماديا كبيرا كالافلام البوليسية و“الاكشن” والكوميدية والموسيقية وحتى بعض افلام الخيال العلمي وبعض الافلام الرومانسية. هذه النوعية من الافلام تسعى لتقديم موضوعات غرضها الاساس استقطاب المشاهدين من اجل تحقيق الارباح.
ومع كل هذا فأن الصورة ليست قاتمة بهذا الشكل فما زال المخرجون يقدمون افلاما ممتازة ورائعة، وما زال هناك جمهور مدرك لاهمية هذا الفن ومتذوق له بشكل جيد، وما تلك الافلام التي تنتج على مستوى عالٍ وتقنية كبرى من حيث كتابة السيناريو والاخراج وتقنيات الصوت والصورة إلا دليل على ذلك، لكن تبقى المشكلة قائمة في نسب هذه الافلام الجيدة مقارنة بالافلام الاخرى حيث يبقى الفرق في فن السينما مقترنا بذوق الجمهور اولا واخيرا وما يدرّه ذلك الذوق من عوائد مادية لمنتجي تلك الافلام، وتبقى السينما في صورها مختلفة بين صورة و اخرى.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home مرافيء مرافيء السينما بين صورتين
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة