|
الإعــــلام العـربي في عصـــــــــر العــنف |
|
مروة كريدي لا شك في أننا كشعوب عربية نتقن فن الكلام ونفتخر بأننا صُنَّاع الحرف والخطب العصماء والمعلقات، فمؤتمراتنا السياسية منها بما فيها القمم وندواتنا الفكرية أمست عبارة عن “مَكْلمَة” تداعب انفعالات الشعوب وتُسكّن آلام الانهزامات الفكرية والعملية على حدٍّ سواء، ولعل وسائل الإعلام والفضائيات تعد أحد أهم منابر دوامة المكلمة تلك. وثَمَّةَ مراحل مفصلية في عمر الشعوب لا تمحوها الأزمنة وتَعاقب الأيام، ولعلنا في زمن بلغ الدمار مداه حتى استحق هذا العصر لقب “عصر العنف” بامتياز، الذي يتبلور من خلال تجليات عدّة أهمها الصراعات المسلحة وما يُصنف في دائرة العنف المباشر ناهيك عن العنف والقمع الفكري والروحي والاجتماعي والسياسي الذي تغرق فيه الشعوب وتعاني ويلاته الأمم لا سيما أمم العالم الثالث.
في عصر العنف هذا يضعف إعلام المنبر وتضمحل ثقافة الحوار وتتلاشى الصحافة الحقيقية الحرة، والسبب الرئيس هو سيطرة متاريس عنف الفساد الإعلامي التي تتجلى عبر نماذج تعد الأكثر رواجًا والأكثر ربحًا تتبلور على الشكل التالي: * فضائيات الإرشاد السلفي والايدلوجي وهو “إعلام الكبت” الذي يكرس الخطاب السلفي الدوغمائي والذي غالبًا ما يضع الأمور في إطار المحرمات التي لا تناقش حسب تفسيره. * فضائيات السُخْف والتسطيح و”إعلام العري” وهو إعلام “الكبت المضاد” والذي لا يشكل في حقيقة الأمر سوى صورة أخرى مضادة للكبت السياسي وهو بمثابة متنفس للشباب ولاحتقان الشعوب من رداءة الوضع القائم. * فضائيات الإعلام الرسمي الموجه أو “الإعلام الوصائي” التي تحرص على تقديم ألمع صورة للسلطة السياسية الحاكمة.. * فضائيات الإعلام المتحزب العنصري أو “إعلام الجدار” وهي الفضائيات الإخبارية التي تمنح نفسها حق مصادرة الحقائق وإطلاق الأحكام وتخوين الأفراد والمجتمعات وإعلان النتائج.. هذه النماذج وان تمايزت صورها من “إعلام الكبت العقائدي المؤدلج” إلى “إعلام الكبت المُضاد التافه” إلا إنها جميعها ولدت من رحم اليأس والاستسلام والانعزال وتعمل على تكريس الذهنية الانفعالية وتسطيح الكائن الإنساني وتحويله إلى سلعة، وأمست الشاشة مستوعب نفايات فكرية وفنية على السواء، وتحول دورها من أداة فاعلة في الحوار بين الثقافات، إلى أداة تفتيت مدمرة تغذي العصبيات والعنصرية والمذهبية والعرقية حتى ضمن الشعب الواحد، وما مشهد الإعلام اللبناني عنا ببعيد، فالخطاب الإعلامي الحالي يساهم بشكل مباشر في إنتاج مجتمع مشحون طائفيا ويحوله إلى ارض خصبة للحروب الأهلية، بحيث أصبح إعلام القمامة العنصري أداة تسويق لثقافة طاعة الأيديولوجيات المتصارعة والمذهبيات المتناحرة. كما وقعت معظم الفضائيات في التكرار والمشابهة في لحظتنا الثقافية وأمست البرامج متشابهة إلى حد بعيد في ظل تكرار الضيف الرمز نفسه وفي ظل شيوع نمط الإعلامي الجاهز المتورط بإعادة إنتاج ظاهرة المواضيع المكررة، وأمسى الإعلامي -خصوصًا في الفضائيات العربية المشهورة- يمارس عقلا مركزيّا تكرست عوامله الوجودية والإجرائية بفعل انحسار عوامل ثقافة النهضة على حساب ثقافة الشك بالآخر التي تلقى رواجًا كبيرًا في زمن الانكفاء على الهوية. إن سمات الإعلام العربي اليوم تتميز بالاستعراض على حساب الموضوعية، والردح على حساب النقاش، والتخوين على حساب حق التنوع والتعدد، والتضخيم والتهويل على حساب التقييم والنقد، والاتهامات والشتائم بدل الدلائل؛ هذه السمات منبعها احتقار الإنسان وحقه في الاختلاف تحت شعار حريّة الذات أحيانا، في حين ان التعاقد الإعلامي الديمقراطي الحر يفترض ان الحرية ليست مسؤولية تجاه أحد ما، بل هي مسؤولة بحد ذاتها. وتبقى التساؤلات: أي منتج فكري تريد وسائل الإعلام أن تقدم؟؟ وهل هذه الوسائل منتجة لعقليات منفتحة مبدعة قادرة على خلق فرص التعايش والمشاركة في البناء السوسيولوجي؟؟ والعمل السياسي؟؟ وهل تساهم مساهمة فاعلة في تطوير وتنمية الفكر النقدي؟؟ والتفاعل الحضاري وطرح القضايا بشكلها العقلاني؟؟ إننا نحتاج إلى إعادة بلورة برامجنا للانتقال بها من طور السلبية الفكرية إلى طور الفعل الحضاري ونشر الوعي والارتقاء بالإنسان من مستوى الغرائز إلى مستوى التحليل، وذلك لا يكون الا من خلال إنقاذ السياسي من خرابه الايديولوجي والثقافي من أزمته الفكرية الحادة وإنقاذ الإعلامي الميديائي من تكراره، وإيجاد بيئة تهيئ العوامل الموضوعية لتنمية فكرية وعملية منتجة، للنهوض من حالة الاستسلام الفكري إلى حالة المعرفة ثم إلى مرحلة الوعي فالإبداع فالارتقاء. وإذا ما أمعنا النظر والفكر في شؤوننا وآلام شعوبنا المثقلة بالتخلف وأعباء التشرد والمرض لوجدنا أن هناك استسلاماً للعجز ونقصاً حاداً في درجة الوعي وتراجعاً فكرياً واضحاً، فهناك قاسم مشترك عند كافة الشعوب المتخلفة هو العجز عن إدراك المنظومة الطبيعية والقانون الذي يحكم البيئة وهو أمر جعلها تقف خلف متراسها الثقافي في صراع داخلي دائم مع تعدديتها الأصلية، ربما الثورة على هذا العجز تعد المحرك للتحرك والإقبال على اكتشاف مكنونات الكون من خلال استقراء علمي معقلن، فجوهر الحريات هو تحدّي العنف والقمع بما فيه الفكري والتخلص من العصبيات، وعندها يسكن السلام أفكارنا. ربما كلنا معنيون في رفع شقاء العنف عن أنفسنا والمسؤولية لا تقع فقط على وسائل الإعلام بل على كافة مفردات التركيبة المجتمعية، فتتحول عندها إلى أداة للابتكار والإبداع والخلق لا أداة للتضليل، بالإضافة إلى أداء وظيفتها في مناخ تسوده حرية الرأي والتعبير، وتشارك فيه كل الكفاءات القادرة على الإبداع والتجديد والتواصل مع الآخر، وهو ما يوفّر فرَصَ انخراطٍ متوازنٍ ومتكافئ في ما يصطلح عليه بمجتمع المعلومات.
|