| هل نحن بحاجة الى مثل هذه الفضيحة |
|
حسين حسن في عام 1996، قام (ألان سوكال) الاستاذ في جامعة نيويورك بفبركة (دراسة) طويلة جدا خلطها ومزجها من هنا وهناك على طريقة المثل العراقي الشهير: (من كل جدر كبّاية).. أخذ مقاطع متناثرة ومتناقضة أيضا من دراسات بنيوية وتفكيكية مختلفة.. من رولان بارت.. جوليا كريستيفا -جاكوبسون.. جاك دريدا.. دولوز.. جاك لاكان.. وغيرهم، وركّب تلك المقاطع بصورة عشوائية وكيفما اتفق، ثم قام بارسال (الدراسة) المفبركة الى مجلة ثقافية مشهورة في أوروبا هي مجلة (social text) وقد اختار لهذه الدراسة عنوانا صارخا يلفت الانتباه وملأها بأحدث المصطلحات عن البنية والتفكيك والحداثة وما بعد الحداثة، وقد فوجئ بنشر (دراسته) المابعد حداثوية في العدد (46/ 47) من المجلة وفي الصفحات (217، 252)، أي ان دراسته الخطيرة هذه قد احتلت ما يقارب الـ(25) صفحة بالتمام والكمال.. فما كان منه إلا ان ارسل رسالة الى تلك المجلة المشهورة يوضح فيها أن الأمر كان مجرد لعبة وفبركة، ولكن المجلة -خوفا من الفضيحة أو لحماسها الحداثوي المقدس- رفضت نشر الرسالة فقام بارسال رسالة الى مجلة ثقافية مشهورة اخرى في (فرنسا) يعترف فيها بما قام به من لعب وفهلوة (حداثوية) فكان ان تصدّرت الفضيحة صفحات أشهر صحف أوروبا والولايات المتحدة مثل الاوبزرفر ولوموند ونيويورك تايمز وغيرها.. ثم قام ألان سوكال بالتعاون مع أستاذ آخر بوضع كتاب بعنوان:(خداع ثقافي: إساءات فلاسفة ما بعد الحداثة للعلم) وصور في فرنسا عام 1997) وقد أثار ضجة كبرى في أميركا وأوروبا.. وقد تأسس هذا الكتاب على تلك الخدعة التي قام بها (سيكال) وأشار المؤلفان في المقدمة الى انهما استطاعا اثبات ان (أشهر المثقفين مثل لاكان، وكريستيفا ودولوز قد أساءوا بصورة متكررة للمفاهيم العلمية ولمصطلحاتها باستعمال الأفكار العلمية خارج سياقها تماما دون اعطاء أدنى تبرير لذلك والقاء اللغة الاصطلاحية المبهمة المتعالية هكذا في وجوه قرّائهم غير المختصين دون اشارة لعائديتها او شرح لمعانيها.. واستعارة مفاهيم من العلوم الطبيعية واستعمالها في العلوم الانسانية والاجتماعية دون اعطاء أي تبرير لا على المستوى المفهومي ولا التجريبي.. يضاف الى ذلك استعراض ثقافة موسوعية سطحية وخارجية بواسطة رشق القارئ دون حياء بالمصطلحات التقنية في سياق لا رابط له وليس الهدف وراء هذا الاستعراض الا مصادرة وارهاب القارئ غير المختص، والمريع ان أطرافا في الوسط الأكاديمي والوسط الصحافي وقعت في هذا الفخ من أمثال (رولان بارت) وجريدة لوموند.. ومن مظاهر الساعة فبركة عبارات وجمل لا تنطوي على معنى في حقيقتها. وكشف هذا الكتاب ظاهرة خطيرة اخرى سمّاها (الارهاب الحداثوي) فأية محاولة للتدقيق او الاعتراض توصم بوصمة اللاحداثة والتخلف والرجعية. قلت مثل هذا وأكثر قبل خمس سنوات وأعدت قوله قبل سنة ولا أحد يستجيب، والمصيبة انني أشرت في مقالات متخصصة الى عدد ممن يمارسون (الفهلوة) النقدية، كل عشرة أسطر يلطش بعدها عبارة لبارت (...وكما قال بارت).. (..وكما قال جاك دريدا).. (..وكما قال سولموز دوز).. (وكما قال هاي ناصروز).. الخ. اشرنا الى أسمائهم بصراحة وجرأة وبتحليل علمي وموضوعي لنصوصهم النقدية المفبركة، ولم يحصل شيء.. المشكلة ان هذا الارهاب الحداثوي يضع مسؤول الصفحة الثقافية في موقف لا يُحسد عليه، فاذا قال لا أفهم هذه المقالة يتهمونه بالتخلف واذا مرّرها فانه سيشعر بالذنب والمهانة مثل (الزوج المخدوع) والمشكلة الأكثر هولا هي ان من يفبرك ويلطش ويرهبنا ويضحك على ذقوننا تمهيدا لحلقها نقديا ليسوا أشخاصا بمستوى بارت ودريدا ودولوز.. انهم أشخاص من مستوى (حمودي) و(عبودي).. أحدهم أعلن أمامنا في بحث طويل معقد ان صديقه الروائي (فلان قد استثمر بنجاح رمز (طير الخضيري الكوزموبولوتيكي) ربي، احنه شمسوين بحياتنه؟. |