مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

“رمضـــــــــان” اســـير الدرامــــا الســـــــاذجــة

توفيق البصري

التلفزيون في رمضان أم رمضان في التلفزيون عبارات يتداولها الناس والنقاد قبل وأثناء وبعد الشهر المعظم. لقد ارتبطت مناشط الحياة العراقية “والعربية” بالتلفزيون كمحور للتسلية والترفيه وتزجية الوقت. ويمثل التلفزيون للعائلة العراقية المتنفس الوحيد تقريبا للتواصل مع العالم والاطلاع على الجديد والاستمتاع بوقت مستقطع وسط أجواء من الكآبة والذعر وانعدام الاستقرار.

لقد سحب هذا الجهاز تقاليد الشهر الكريم من الحارات والمحلات وحلقات الدرس الى شاشته الآسرة وفنونه المتحولة. وأخص ما في جهاز التلفزيون في رمضان المعظم هو الدراما. لقد ابتدأت سيطرة الدراما على وقت الصائم واهتماماته منذ انتشار البث الفضائي وطول ساعاتها الى مدار اليوم. لقد وجد المشاهد نفسه أمام اختيارات متعددة وامكانات للمشاهدة والفرجة بلا حدود. وذهبت آخر احصائية موثقة الى ان أكثر من (600) قناة باللغة العربية قد بثت ما يقرب من ستين مسلسلا دراميا او أكثر خلال الشهر المعظم. وبحسابات الأرقام فان ما يقرب من مسلسلين ونصف الى ثلاثة مسلسلات في الساعة الواحدة يمكن ان يتحرك عليها مؤشر “الريموت كونترول”. وبنفس لغة الأرقام فان ملايين وربما مليارات الدولارات يتم تداولها في مجتمع الفن والفنانين. ولو تفحصنا طبيعة هذه الأعمال الدرامية من وجوه مختلفة لوقفنا على مقدار ما يمثله هذا التضخم المالي من خطر على السوية الشخصية وعلى منظومة القيم فضلا عن الاقتصاديات الوطنية.
فالموضوعات المطروقة تكاد تتكرر كل سنة وفي كل مسلسل وتستطيع ان تختزل هذه الستين مسلسلا في موضوعة واحدة هي العلاقة المأزومة بين الرجل والمرأة. وتأخذ هذه الأزمة أشكالا من التميع او الخلاعة او الزيف بما لا يناسب واقع المجتمعات العربية وتخلفها وفقرها. ويحلو للكاميرات في هذه المسلسلات ان تتجول وسط الفنادق الفخمة او البيوت الفارهة وتقدم شخصيات تسكنها أما حكيمة وفيلسوفة واما منحطة ومرذولة دون ان يكون للانسان العام دور في هذه الأعمال. خلصت دراسة كتبها أستاذ مصري ونال بها شهادة دكتوراه في علم النفس الاجتماعي ان صورة الانسان المصري والعربي على الشاشة “السينمائية والتلفزيونية” تقدم وجها للعطالة والتلون وسوء الأخلاق وضعف الارتباط بالزمن كمقياس معياري توصل اليه المؤلف من دراسته لمئات الأعمال التلفزيونية والسينمائية على حد سواء.
ان الوعي الذي تقدمه هذه الأعمال الدرامية للمشاهد العام لا يزيد عن تمضية الوقت دون النظر الى محتوى مفردات هذه التمضية.
 وفي السنوات العشر الأخيرة حدث تنافس كبير بين المخرجين والمنتجين والممثلين. لقد وصلت أجور بعض الممثلين الى مليوني جنيه مصري عن عمل لا يتجاوز تصويره شهر واحد. ودخل حقل التنافس من المنتجين بعض أفراد الأسر الحاكمة في الخليج ومصر.
حتى ان احد هذه المسلسلات قد كتب قصتها واشعارها “البدوية” حاكم دبي. وقد أضافت امارة دبي “منقبة جديدة” الى سوق الدراما عندما وضعت جائزة مقدارها مليون دولار لأفضل عمل خلال شهر رمضان هذا العام.
أما من يقرر هذه الأفضلية فهو رسائل المشاهدين وآراءهم التي تأتي الى هذه الدوائر محملة على أجنحة الموبايل والضرائب التي تجنيها شركات الهاتف النقال. وليس خافيا على أحد حقيقة الكواليس الخلفية لأخلاق أهل الفن وسلوكياتهم وما يمكن ان تقدمه للمشاهدين من معان تخاطب اللاشعور في حقيقة هذه الشخصية. فعلى سبيل المثال يمكن ان تظهر احدى “الفنانات” والتي ملأت فضائحها صفحات الجرائد وأزكمت الأنوف في دور شخصية دينية.
 أما هذا “الفنان” السكير الخليع فانه يظهر في دور متصوف او رجل من رجال الدعوة والدين الاسلامي “او المسيحي”. ولا يمكن بأية حال من الأحول حساب هذه التمايزات والانتقال بين الأدوار على حرية القول والرأي.
اذ ان هذا التحول يشكل نوعا من اللعب على القناعات الداخلية للمشاهد وخاصة في ظروف الأحادية التي يحاصر بها المشاهد العراقي والعربي الذي لا يجد أمامه غير التلفزيون وسيلة. ولا أظن ان الكواليس “الأخرى” بعيدة عن هذه الأجواء واستثمارها. فقد نشرت وكالات الأنباء قبل فترة عن نية المستثمر الاعلامي اليهودي الشهير مردوخ شراء أسهم من شركة روتانا بأكثر من (350) مليون دولار.
أما الدراما العراقية في شهر رمضان للعام الحالي فقد شهدت أسوأ مستوى لها في تاريخها الذي لم يشهد انجازات حقيقية تغني ذائقة الفرد وتشبع تعطشه الروحي والأخلاقي لحقائق الحياة في سموها ونبلها. والأكثر خطورة ان تدخل الأجندات السياسية العربية والخليجية على خط هذه الدراما العراقية لتجمع مجاميع من الساقطات والأقزام وسكان الشوارع الخلفية في العواصم العربية لينتجوا دراما عراقية تهزأ بالشعب وتراثه وبالسلطة العراقية المنتخبة اعتمادا على أموال “الخليج” التي أنتجت ملحمة البرتقالة وما حولها من سمسرة مقصودة بقصد اظهار الشعب العراقي بهذه الكيفية. والبرتقالة لمن لا يتذكر او يعرف هي احدى الأغاني التي سميت بهذا الاسم واستعرض فيها أحد المغنين السماسرة أجسادا من الراقصات عارضا اياها على سوق النخاسة الخليجية. وقد ظهرت نكات في طول العالم العربي وعرضه عن البرتقالة وألصقت بشخصية الفرد العراقي لفترة طويلة. والآن تعود بهذا الشهر الكريم نفس الوجوه من الراقصات والسماسرة والمال الخليجي ليشوه الشخصية العراقية وقيمها وبالذات في شهر رمضان.
لقد قدم مسلسل يوسف الصديق أنموذجا للفنان الذي يحترم شرفه ووطنه ونفسه ودينه وتاريخه. إلا ان كل هذه الحوادث لم تحرك ساكنا في مجتمع الفن العراقي الذي تأثر بالكواليس الخلفية لمجتمع الفن المصري. والأكثر من هذا بروز نزعة الارتزاق والكدية لدى من يسمون أنفسهم فنانين في الوقت الذي لا يتوفرون فيه على أية موهبة سوى الصراخ والزعيق او اضحاك الناس كالأطفال على حركات مكررة وممجوجة.
وأعتقد ان في رمضان القادم سوف تتكرر نفس المشاهد بنفس الوجوه ونفس اللغة.
 واذ يعجز الممثل العراقي عن الأداء السليم باللغة العربية الفصحى فانه يلجأ الى التهريج للتغطية على ضعف امكاناته حتى أصبحت الدراما والتمثيل مهنة لمتسولين من مشارب مختلفة لا يهمهم ان يسيئوا لأنفسهم فضلا عن سمعة وطنهم وشعبهم.
وغني عن القول ان المجتمعات المحترمة تنتج دراما محترمة. اذ ان السخف والتهريج لا يجد له مكانا وسط الشعوب التي تحترم وقتها وقيمها وتحرص على تربية وتوجيه أبنائها.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home مرافيء مرافيء “رمضـــــــــان” اســـير الدرامــــا الســـــــاذجــة
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة