| مســــتقبل المدينة العراقية |
|
الشيخ محمد الساعدي ليست المدينة شوارع وقصورا ودورا سكنية ومواصلات ودور سينما وغيرها. إذ ان النظام المديني مرتبط بجملة من الوظائف التي اوجدت هذا النظام، ثم قام هذا النظام بتأكيدها وحراستها. وقد نشأ حول المدينة ونظامها ووظيفتها علوم واختصاصات عديدة وتفرعت هذه العلوم الى اكثر من المبادئ الاولى التي قامت عليها علوم المدينة المختلفة. ولم يكن أمر المدينة ووظيفتها خافيا على الكتاب والمثقفين العرب الاوائل فقد تحدث بما يقترب من هذا المعنى ابن سينا والفارابي وابن خلدون وربما غيرهم. إلا ان تحولات الحياة العربية والاسلامية ودخول الحضارة الاسلامية الركود المدني والحضاري قلل من امكانية نشوء علوم المدينة بالشكل الذي يغني ويخدم قوانين العمران، أي قوانين الحضارة كما يعبر عنها ابن خلدون. لكن المدينة بنظامها الحديث ورعايتها للابداع وانتاجها للجمال والفن والسياسة هي المدينة الغربية التي نشأت في ظروف تاريخية معروفة. فمن السهل تأشير النظام المديني الغربي بسقوط الاقطاع وظهور الطبقة البرجوازية والوسطى والتي كان يهمها كثيرا امر الابداع والفنون الجميلة والنظام السياسي والقانون. وبتطور الرأسمالية الكبير تعقد نظام المدينة التي اصبحت شاهقة تطاول عنان السماء وتضخ كميات هائلة من الخدمات والمتع الحسية وشهدت تغيرات اجتماعية عميقة بابتعادها عن الروح الديني حتى تحولت الى سوق مضاربة هائل لا يمكن لامثالنا من القاطنين في الشرق تصور كيف يعمل وكيف يوزع بكل هذا الجبروت الهائل. الا ان الملاحظ هو ان هذه المدنية الغربية لا تزال تقاوم هذا "التهميش الانساني" اذا جاز التعبير. اذ ان الكثير من الفلسفات الاحتجاجية والنزعات الاجتماعية والفنون تعبر عن رفضها لنظام المدينة المغرور والمقنن اكثرمن اللازم. ويذهب علماء الاجتماع المديني في الغرب الى ان درجة التنظيم التي تحتويها المدينة لم تعد تتوافق مع الاحساس العفوي بالحياة ومع الاحساس المنطلق بالسعادة. فالنظام القائم في هذه المدينة يعتمد على شبكة من العلاقات ذات مضمون تجاري ربحي. وصحيح ان الفنون مزدهرة والاداب الا ان هذه الربحية قد دخلت بقوة في نظام المدينة. ومن الطبيعي الا يشعر الافراد العاديون بهذا التغلغل المخيف لنظام السوق في نسيج العلاقات الانسانية والتعاملات بين الناس. وكانت الاسرة اولى ضحايا هذا النظام العمودي الشرس والمقنن. وبالنظر لارتباط الفلسفة الرأسمالية جوهريا بتراكم الثروة فان المدينة الغربية اصبحت مصرفا وسوقا محروسة بالديمقراطية. وهذا الامر مثار فخر لدى كبار فلاسفة الرأسمالية وابرزهم في ذلك ماكس فيبر. وعندما حاولت الشيوعية طرح نموذج مغاير لهذه المدينة وذلك عندما طرحت النموذج الاشتراكي القائم على التعاون والمساواة والاهتمام بالجماعة فانها جنحت نحو تحويل المدينة الى قلعة فاصبحت المدن الشيوعية قلاعا بوليسية ومواطنوها اسرى بيد السلطات الشيوعية المركزية. الامر الذي سهل بعد ذلك ان تذوب هذه المدن لان علاقات الناس فيها لم تكن تملك وسائل الرفاه والمال الغربية حتى يدافع الانسان عنها ولا القيم التي ادعتها الشيوعية لنفسها. اما مدينة عريقة مثل بغداد فانها محكومة في انتاجها للحضارة والمدنية بانتمائها للمنظومة الشرقية. فبغداد تتنفس التاريخ مع الاوكسجين. فابتداء من اسماء الشوارع الى اسماء الاشخاص ومناهج الدراسة ومشكلات السياسة والدين فان التاريخ هو السيد الذي يفرض ظله على الحاضر ولا يستطيع ان يرى المستقبل الا من خلال هذا التاريخ. ومن الغريب ان تتحول مدنية مسكونة بهاجس التاريخ الى هذه الدرجة الى مكان يبحث اهله عن اشبار يسكنون عليها او جحور يجمعون فيها تكاثرهم الانشطاري. والمدنية العراقية حقيقة مسكونة بهاجس التاريخ ولذا فانها مسكونة بهاجس الفتنة والترقب والخوف. حتى ما عادت هذه المدن تتعرف بالكاد على مقابر جماعية تقيمها بتواطئ مع نفس التاريخ الذي يسكن نسيجها العميق. وبغداد بالتحديد لم تعد هي. فقد غادرت بغداد القديمة اماكنها الاولى نحو مناطق الثراء الجديد. والمال الذي يحدد الثراء في هذه المدينة ليس معروف المصدر ولا طريقة التداول. ففي اعقاب كل حرب يظهر اثرياء جدد وتحتفل المدينة بالالفاظ التي توشحهم بها. حتى رست اخيرا على اثرياء الحواسم الذين يعتبرون اكبر طبقة ثرية من الحرب في العالم. لقد كان مرأى المتصارعين على ابواب المصارف بعد سقوط النظام السابق وكمية الجثث التي تفسخت من الصراع على هذا المال مشهدا يفوق امكانات هوليوود في انتاجه. لكنهم خرجوا أخيرا يشترون الدور الفارهة ويتآخون مع بقايا ارستقراطية عراقية كاذبة تعشق هي الاخرى التأويل بل حتى أدمنته. فمن السرور لدى سيدات هذا الوهم الارستقراطي ان يزوجن بناتهن لاثرياء (الحواسم) حتى يعيدوا دورة التاريخ المملوكي والانكشاري الذي يسم بغداد بميسمه. وهي مدنية بلا شهود وان حضروا فانهم شهود زور والا كيف تتحول المدينة الى شوارع لكل طائفة اشبار او امتار منها ثم يتكلم ساستها وحكماؤها ورجال دينها عن تاريخ ناصع البياض وسريرة حضارية نقية لا يشوبها سوى "القادمين من خلف الحدود". وفي الخيام التي تؤوي مهجري ونازحي حروب الطوائف تظهر السيدة المهجرة تشتكي للكاميرا ظروفها السيئة وهي تسوق امامها ثلاثة من الصبية او اربعة انجبتهم في هذه الخيمة. بهذه المجانية والسيولة في اخلاق الحضارة واحترام الذات يعيش السكان الهجاس التاريخي ويتصورون المستقبل وفق هذا المنظور. فهم مجموعة احياء بايولوجية انشطارية تكاثرية فارقت لحظة الاحساس بالدهشة والمعرفة والعلم. حتى اختصت هذه المدينة العاشقة لذلها انتاج الهامشيين بدل التقليل منهم. فمنذ الصباح الباكر يشاهد المرء انى اتجهت انظاره الافا من الصبية المتسخين "العتاكة" او الذين يمتهنون مهنا غريبة بعد تسربهم من مدارس معقمة ضد العلم والتنظيم والاحساس ببهجة الحياة. فهذا السجن الصحراوي الجاف والمكروه المسمى مدرسة في بغداد لا يعلم غير "اللواتة" والغش والاحتيال على القانون. يذهب علماء الاجتماع المديني الى ان تعريف المدينة يرتبط جوهريا بابداعها الانساني، وطالما كانت المدينة تحتفي بالابداع والجمال والمبدعين فانها قادرة على تجاوز نكساتها وترميم الخراب الذي يمكن ان يصيبها، لكن مبدعي بغداد يموتون منزوين كمدا او فقرا او قلة حيلة. وفي كل مرة يكتب الافاقون تاريخا لبغداد لا علاقة له بالابداع الا ما مجد قوتهم وانكشاريتهم وطائفيتهم. لقد أسلست هذه المدينة قيادها للعثمانيين حتى ان افرادها العشوائيين الذين يتناسلون بين الاوساخ وفي خيام التهجير يقدمون النذور وفروض التبرك للمدفع العثماني المسمى "طوب ابو خزامة". لقد كان لهذا (الطوب) حرمة قدسية حتى وقت قريب جدا. وحتى لا يفرح القارئ بان هذا الوقت القريب جدا قد انتهى اذ تحول الى معنى رمزي يتضمن نفس البركات التي يسبغها عليه العوام ولكن بطريقة اخرى اذ ان الزرقاوي والقاعدة هو (طوب ابو خزامة) السلاجقة الجدد الذين يستطيعون ان يتكاثروا وسط القذارات ويباهوا بذلك لدى سيدهم (الطوب). مدينة لا صوت فيها لله تعالى ولا طريق للبراق ولا حاضن للبلاغة ونهجها. هذه هي المدينة التي تعشق الفاتحين ونظام الخدمة العسكرية ومجازات الشعراء والمقابر الجماعية وتتداول بفرح شاذ اغاني المثلية الجنسية ليوسف عمر وتنذر النذور (لطوب ابو خزامة) وتمنح شهادات الدكتوراه لسفهاء واميين اقل حضورا من المماليك والانكشـــارية. مدينة تشبه نفسها وهي للرائي ضابط اميــركي جديد او المس بيل او ناظم باشا مصحا عقليا لمجموعة بشرية تدعس نســاؤها اطفالهن الخارجين في ظــــروف القذارة تبــركا (بطوب ابو خزامة). . اجمع العلماء على اختلاف نزعاتهم وميولهم من دون استثناء على ان الشرق الادنى هو مهبط الحضارة واصبحت هذه القضية غير قابلة للجدل والمناقشة، والتاريخ بضرورة الحال يصدر احكامه على لسان المؤرخين ويسجلها في كتاباتهم، والشاعر العربي قال عن حكم التاريخ: والحكم للتاريخ فيك ففي غد يزن الرجال ويصدر الاحكاما والبروفسور ارنولد توينبي (1889- 1975م) المؤرخ والمستشرق الانجليزي من الذين اصدروا احكامهم ودافعوا عنها فهو مؤرخ منصف اباح لنفسه ان يسأل لماذا؟ والى اين؟ ولم يكتف بان يرسم صورة جذابة لماضي الإنسان بل انه رنا ببصره نحو المستقبل، لقد دافع توينبي طوال حياته عن حق الشعب الفلسطيني في وطنه فلسطين العربية، وبقي الى اخر حياته يؤمن بان العرب سينتصرون على العدوان الصهيوني مهما طال الزمن. ان الحضارة في مفهوم توينبي كيان اجتماعي موحد قابل للفهم بمعزل عن جميع الظواهر الاجتماعية التي قد تبرز في بعض اجزاء هذا الكل الاجتماعي العضوي فهي وحدة حضارية تهيء للدارس ان يفهمها ويعبر منه الى تعيين وتحديد نشوء هذا الكل وعوامل اندثاره ايضا وقد آمن ارنولد توينبي بالحضارة العربية والاسلامية وقدر مكانتها في التاريخ ودورها في تقدم البشرية وعناصر الحيوية التي تجعلها جديرة بالبقاء فخصها بفصول طويلة في اماكن متعددة من كتابه الخالد (دراسة في التاريخ). واعد توينبي الحضارة العربية احدى الحضارات الخمس العالمية الكبرى التي ظهرت منذ القديم وظلت قائمة حتى العصر الحاضر، وقد وضع للحضارة العربية اطارا جديدا وحدد مكانتها ضمن الحضارات العالمية فاعاد تقويم دورها ومكانتها في التاريخ العالمي. عرض المؤرخ توينبي لموضوع الاسلام والحضارة الاسلامية في جميع اجزاء موسوعته التاريخية وبخاصة في الاجزاء السابع والثامن والتاسع والثاني عشر، كما افرد للاسلام كعقيدة دينية- مكانا بارزا في كتابه (مدخل تاريخي للدين) فتحدث عن الاسلام ومبادئه وخصائصه وكذلك عن الرسالة الاسلامية وقسمها الى مرحلتين: الاولى: المرحلة الدينية الخاصة. الثانية: المرحلة السياسية والدينية. وذهب توينبي الى ان قوة الاسلام قد تجسدت في المرحلة الاولى وقال: (ان الرسالة الاسلامية في اصلها هي التوحيد وان المبدأ الذي حمله محمد الى اتباعه اسلام النفس لله) وهذا معنى كلمة الاسلام في العربية بالاضافة الى الواجب المترتب على الاغنياء والاقوياء نحو الفقراء والضعفاء والارامل واليتامى، وينتقل توينبي لدراسة المجتمع الاسلامي فيقول: (ان النظام الاسلامي ديني عالمي تقوم الدولة على اساسه)، ويعطي نماذج من العصور التاريخية التي مرت بها الدولة العربية الاسلامية فهو عند حديثه عن الدولة العباسية اشار بالقول: (ان الحكم العباسي ببغداد قد خلف نوعا من الحضارة بلغة اصيلة هي اللغة العربية بينما لم تستطع امبراطورية تيمورلنك ان تعرب عن نفسها الامن خلال الاستعانة بلغة الحضارة العربية أي "اللغة العربية" وهذا التاكيد على ان الاسلام بما يمتلك من خصائص ذاتية جعله يدخل في اعماق الشعوب غير العربية وتصبح لغة القرآن الكريم هي اللغة السائدة، وان هناك مناطق عدة من العالم كما ينص توينبي قد انتشر الاسلام فيها عن طريق الاقناع الفعلي دينيا لاعن طريق الفتح)، ويعترف توينبي بفضل حضارتي وادي الرافدين ووادي النيل على الحضارة الاغريقية والرومانية ويسهب في توضيح الفضل الذي قدمته الحضارة العربية الاسلامية الى الحضارة الاوربية اذ يقول: (ان الحضارة الاوربية وليدة الحضارة العربية الاسلامية وان الحضارة الاغريقية والرومانية هي وليدة حضارتي وادي الرفدين في العراق ووادي النيل في مصر) وقد أكد في كتابه (تاريخ البشرية) على الحرية الدينية التي وفرها الإسلام لأهل الذمة والتسامح الكبير الذي عامل به جميع الناس فيقول: (وكان مما اعان العرب ان القرآن نص على ان اهل الكتاب يجب ان يكونوا موضع التسامح والحماية اذا قبلوا بالحكومة الاسلامية ودفعوا الجزية). وتناول ارنولد توينبي الحضارة العربية الاسلامية وفق عصورها التاريخية فيقول: (ان الحضارة التي انتشرت في شمال افريقيا هي في الواقع من عمل الاسلام ودعامته العرب). واخيرا يقول توينبي ان الإسلام اعاد للعرب سيادتهم السياسية ووحدتهم الثقافية، ونشاطهم الحضاري وازاح عنهم الاخطار الخارجية التي عملت على استبعادهم واضعافهم وازالة معظم حضارتهم إذ يتميز الإسلام بسعة الافق وسمو الأفكار ويحث على استعمال العقل والفكر. |