| الحياة هي الكتابة |
|
إنها تجربــة تي سي بويل: لمياء مهدي قد تتخذ الحياة احد شكلين كما يقول (تي سي بويل)، فهي إما مآساة أو ملهاة ولا نستطيع ان نعرف سببا معينا لأي من النوعين شاءت ان تتخذ. ويشرح مستريحا في منزله انه: "منذ استطاع العلم قتل معتقداتنا لم يعد للمليارات السبعة التي تعيش على هذا الكوكب من امل.. وكل ما نستطيعه هو الضحك بوجه المصائب". يعد (تي سي بويل) من الكتاب الاميركان المعروفين اليوم بمؤلفاته التي تتضمن اثنتي عشرة رواية طويلة ناجحة وعددا كبيرا من القصص القصيرة التي تجاوزت الالف صفحة يرصفها بعناية فوق مكتبه في المنزل الذي يمتاز بالاسلوب الياباني في البناء والتاثيث من دون ان يعرف سابقا انه يسكن ذات المنزل الذي كان للمؤلف الروائي فرانك لويد رايت عندما اشتراه عام 1993. ويقول: "منذ ذلك الحين بدات بالقراءة عنه وعن الاضطراب المدهش المنتج في حياته الشخصية وعرفت حينها انني يجب ان اكتب شيئا من سيرته". ابتدأ بويل كتابة روايته الاشهر "نساء" حول الهندسة المعمارية وكيف انها عالم مغلق على النساء واخذ معظم الاحداث الرئيسة من السير الذاتية والمقالات الصحفية التي كتبت عن رايت وكان دور بويل فقط في "اني وضعت روحي في النص محاولا الابقاء على التفاصيل الدقيقة.. اما الخيال فياتي عندما احاول ان ادخل رؤوس الابطال واتخيل معتقداتهم ولماذا قاموا بما فعلوا". حتى انه اسند دور الراوية في روايته "نساء" الى مصمم معماري ياباني اسمه "تاديشي ساتو" كان من ضمن فريق العمل الذي ارسله رايت "في الرواية" كي يقوم على خدمة بويل من دون سؤال او اعتراض على اي من اوامره. بعد ان يستطرد بويل في سرد حياة رايت ونسائه الاربع المعتلات نفسيا يخلص الى انه شخصية نرجسية كلاسيكية فهو: "لا يستطيع ان يتخيل للاخرين وجودا خارج ذاته هو وانهم وجدوا فقط لخدمته". ولم يكن رايت الشخصية العبقرية المستبدة الاولى التي قدمها بويل للتاريخ في رواياته إذ سبق وقدم قصة جون هارفي كيلوغ مخترع الكورن فليكس في رواية "الطريق الى ويلفيل" التي قدمت فيما بعد بفيلم سينمائي بذات الاسم. ثم جاء دور المهووس الفريد كينزي في رواية "الدائرة الداخلية". وتمتاز الشخصيات الثلاث بعقدة الانانية والعظمة حتى انهم وكما يقول بويل: "لو شاء القدر ان يجتمعوا لقتل بعضم الاخر وربما لاكله". واجه بويل الكثير من النقد لرواياته فهو: "ليس معالجا نفسيا" حسب ما يقول لوري مور فهو: "يستطيع الكتابة والتخيل كاي منشغل بالاحصاء وبعنفوان اكثر من اي من معاصريه. لكن العنفوان ليس كافيا فهناك الكثير من التقنيات التي يفتقدها والى ان يستطيع ايجادها سيبقى منقطعا عن الوصلة التي ستزوده بما يحتاج اليه من اوكسجين المبادئ الاخلاقية الضرورية.. فهو يفتقر الى التعاطف مع شخوصه حتى انه يسر اكثر من اللازم كلما زادت مصائبهم والكوارث التي يهيلها عليهم" وهذا ما صرح به معلقا: "انه عالمي الذي اخلقه انا.. اما معاناتهم فهي من خلقهم هم. ولا اخلو من النقد في كل الاحوال فعندما اكتب القصص الهجائية المضحكة اواجه النقد بأني لم اكن جادا. وعندما اكتب القصص المؤثرة يؤخذ علي اني جاد اكثر من اللزوم". وبصورة اسوأ فقد تم تشويه صورته ككاتب هزلي الا انه يرد بقوله: "لا نستطيع التغاضي عن حقيقة ان الكتابة ترفيه والا فستكون نكبة. فالكتب تقف اليوم بمواجهة (التلفزيون) والافلام والعاب الفيديو في مجتمع متعدد الاوساط بحيث لا يملك الانسان وقتا اضافيا للتامل وهذا ما يثير قلقي العميق.. وكل ما اردته هو امكانية الاخذ من كل شيء بطرف". ولد بويل عام 1948 في نيويورك لابوين مدمنين وفي عائلة اقل ما توصف به انها مفككة. وفي سنوات شبابه الاولى حاول العناية بابويه الا انه ثار بعد ذلك ورفض الكاثوليكية واعتنق الالحاد وادمن قراءة الدوس هكسلي وجي دي سالينجر. وفي عمر السابعة عشرة حاول دراسة الموسيقى والة (السكسافون) في كلية فنون صغيرة في بوتسدام. وعندما فشل في الاختبار اختار بدلا من الموسيقى دراسة التاريخ والادب الانكليزي والتي اصبحت اهتمامه الاثير والوحيد في دراسته العليا. واحدى هذه الدروس كانت القصص الامريكية القصيرة حيث اكتشف كلا من بيللو واوكونور وابيدك وهذا ما غير كل شيء. اذ ما لبث ان درس الكوميديا السوداء ممثلة ببيكيت وجون بارث وروبرت كوفر وصولا الى الادب اللاتيني وشخوصه الرئيسة من غارسيا ماركيز الى بورخيس. وكانت قراءاته هذه محركا "ودافعا" كما يصفها للابداع. وحقيقة ان الامر لم يكن بهذه السهولة اذ وقع في هذه الاثناء فريسة للادمان وهذا ما حاول صديقه اخراجه منه بعد ان شرح له انه قد يحتاج سنتين اخريين للعلاج من الادمان. وهكذا كتب تجربته في كتاب اسماه "ما يكسرك او يدفعك للامام" وهي الرواية التي نشرتها دار اوايا للنشر حيث عمل او درس الكثير من شخوصه الادبية. وكانت هذه القصة طريقه للقبول بقوة في عالم التاليف والنشر. حيث يشرح تجربته في دار النشر هذه قائلا: "تمثل اوايا معهد موسيقى للكتاب وليس للموسيقيين فانت تذهب هناك للدراسة على يد استاذ قد لا يقدم لك شيئا مهما وقد يكون دافعك على الطريق اما فرصتك فانت الذي تصنعها. ومن حسن حظي انه كان لي ثلاثة اساتذة هم فانس بورجيللي وجون ايرفنغ وجون جيفر وكانوا على درجة من الكرم معي وقالوا لي ما انا بحاجة لسماعه: (انت موهوب.. انت على المسار الصحيح.. واصل التقدم) وقد اخذت وقتي في التعلم والكتابة حتى اصبح لي مكان اعتز به وتجربة تشرفني في الوقت الذي قد يخجل البعض من الكتاب من جيلي بتجاربهم". امضى بويل خمس سنوات ونصف في دار اوايا وغادرها حاملا درجة من الابداع الادبي ودرجة الاستاذية في تدريس ادب القرن التاسع عشر الانكليزي وصداقة رايموند كارفر الذي وصف بويل انه: "كان متواضعا جدا وخجولا وانا احترمه جدا". ويعد كارفر في طليعة كتاب القصة القصيرة من ابناء جيله ومعروف باسلوبه الكئيب والمقتضب. وعندما حاول بويل تقليده جاء اسلوبه معاكسا فهو متدفق ثرثار. وعندما غادر اوايا انكب على كتابة الرواية خمس ساعات يوميا سبعة ايام في الاسبوع. كانت روايته الاولى "موسيقى الماء" وهي كوميديا عن حياة مستكشف القرن الثامن عشر مونغو بارك وقد نشرت عام 1981. وهو يعمل بهذا الاسلوب والتقنية منذ ذلك الوقت. وبغض النظر عن تشاؤمية نظرته للعالم فهو يعد نفسه رجلا سعيدا ومحظوظا للبهجة التي تمنحه اياه ساعات الكتابة فهي: "افضل اندفاعة وجدتها في حياتي.. انا مدمن عليها بصورة لا امل في الشفاء منها فانا ادخل في نوع من الحلم كل يوم.. انه حلم رائع". على انغام الموسيقى "القاصفة الممطرة الحزينة او الانتحارية" يكتب في الاستوديو المخصص له في البيت حيث يعزل نفسه لاسابيع يمارس خلالها السير على الاقدام او صيد السمك. ومثل العديد من الكتاب الامريكيين المبدعين فهو استاذ يدرس الكتابة المبدعة وبروفيسور في مادة الادب جامعة كاليفورنيا الجنوبية مع درجة الاستاذية الدائمة. "لدي صورة رجل البرية هذا.. وانا مجنون قليلا.. الا انني بروفيسور ايضا وانا رب عائلة جيد لدي ثلاثة اطفال انشغل بهم وبمستقبلهم.. وقد اكون الكاتب الامريكي الوحيد الذي لم يكن له سوى زوجة واحدة". عن الغارديان |