|
د.إحسان الأمين في الوقت الذي تمر فيه عشرات السنين على طرح فكرة “التقريب بين المذاهب”، والتي ظهرت بصورة “مجمع التقريب” بالقاهرة، مازالت فكرة التقريب تواجه الكثير من التحديات، وحتى التراجعات عن بعض خطواتها وانجازاتها الأولى، مما يستدعي وقفة نقدية جادة ومراجعة حقيقية، فما الذي حرك دعوات التكفير؟ وما الذي هيج غرائز العنف والمواجهات الطائفية في أكثر من موقع من عالمنا الاسلامي؟ إن القول أن وراء هذه الدعوات أيد خبيثة ومخططات أجنبية، قول سهل وجواب بديهي، ولكن السؤال يبقى قائما وملحا، وهو: ما الذي جعل البلاد والعباد لتكون أرضية رحبة لاستقبال واحتضان مثل تلك الدعوات والاستجابة لتلك النزوات الشيطانية؟
ولماذا بعد عشرات السنين من دعوة خيرة وبناءة، حققت الكثير من العطاءات، لماذا نجدها تتعثر وتتلكأ، بل ترد وتبدل بدعوات تكفير وتفسيق وتهم بالردة والشرك والضلال؟ تجند لها وسائل إعلام كبيرة وتيارات دعوية واسعة أججت نيران حروب ومقاتل في بلاد كانت آمنة وبين طوائف كانت متعايشة وكل ذلك في عصر العولمة والتعددية والتنوع والتغير المستمر؟ إن هذا الواقع الجاهلي الذي نواجهه هنا وهناك من التعصب والتخندق والدعوة للإبادة وتطهير الأرض من الآخرين، إن هذا الواقع لابد أن يدعونا الى إعادة النظر في مشروع التقريب وجودا واستمرارا، إبتداء من فكرته، حتى منهجيته وآلياته وإنتهاء بأهدافه وغاياته، لا لغرض التراجع عنه وقد قرب ما قرب بين متباعدين وبعد ما بعد من ظنون وفتن، ولكن لغرض البحث عن رؤية جديدة تعطي للمشروع فاعلية أكبر تمكنه من مواجهة التحديات الطائفية والمؤامرات الانشقاقية التي باتت كالألغام المدمرة تنفجر كل يوم هنا وهناك وجعلت المقربين ينؤون بأنفسهم عنها والمكفرون يحركونها كل حين. وبالتالي، فهل يراد بالتقريب العمل على تقريب الأفكار، من خلال التأكيد على المشتركات وتقريب المواقف في المختلف فيها، مما يتطلب ذلك جهدا ثقافيا مستمرا لتعريف بعض المسلمين ببعضهم الآخر، من خلال بيان الأصول المشتركة والراسخة في جميع المذاهب، حتى يتعارفوا فلا يتناكروا، فان الناس أعداء ما جهلوا. أم يراد بالتقريب، التقارب القلبي وإزالة العوائق النفسية المانعة من تعارف وتآلف المسلمين، وبالتالي إرساء أسس المودة بينهم، مما يسهم في تمتين وحدتهم ورفعة عزتهم وتعاونهم وتكاملهم في بناء المجتمع، واتحادهم في مواجهة أعدائهم، ويكون ذلك حتى مع اختلاف آرائهم وتشعب أقوالهم، فالتقريب هنا بمعنى التأليف، بين القلوب أكثر مما هو بين العقول. فقد يكون الأخوة في الأسرة الواحدة مختلفي المشارب والمذاهب، ولكنهم يبقون قريبين من بعضهم البعض ومتعايشين مع بعضهم ، تربطهم مصالح الأسرة الواحدة التي يستظلون بظلالها ويحتمون بها. والذي يبدو ان دعوة التقريب، التي أطلقها مجمع التقريب في القاهرة، كانت في بدايتها ومنطلقها قائمة على هذا الأساس أكثر مما هو التقريب الفكري، بل هي قائمة على اساس الاعتراف بالاختلاف، ولكن مع ذلك التقارب والائتلاف، فان المؤسسين لذلك المجتمع الكريم قد اتفقوا على قاعدة ذهبية، يمكن ان يترفعوا من خلالها عن كل اختلاف، مع وجوده واستمراره، وهي: “أن نجتمع فيما اتفقنا عليه وان يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه”. والمهم في هذه المقولة شطرها الثاني، فالأول تحصيل حاصل، ولكن الثاني هو الأمر المشكل الذي يولد المشاكل، فإن القاعدة هنا تقر بالاختلاف ومع ذلك تؤسس للإئتلاف، بأن يعذر البعض الآخر فيما اختلف فيه، وهذا أساس رصين لفكرة التسامح والتعايش والسلم الأهلي. وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وهو من مؤسسي مجمع التقريب بالقاهرة، قال في مقال له بعنوان بيان للمسلمين، “نعم، إنه (رفع الخلاف) لمن المستحيل إن لم يكن عقلا فعادة: إذ لو كان الغرض هو إزالة الخلاف بين المذاهب الاسلامية، وجعلها مذهبا واحدا سنيا فقط، او شيعيا فقط، او وهابيا، كيف واختلاف الرأي والخلاف في الجملة طبيعية ارتكابه في البشر، ولعل إليه الإشارة بقوله تعالى: “ولا يزالون مختلفين* إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم..)، أي للرحمة او للاختلاف على الخلاف”. ولكن ينبعي ان يكون من المتيقن به أنه ليس المراد من “التقريب بين المذهب الاسلامية” إزالة الخلاف بينها، بل أقصى المراد وجل الغرض هو الحيلولة من دون أن يكون هذا الخلاف سببا للعداء والبغضاء، الغرض تبديل التباعد والتضارب، بالأخاء والتقارب، فان المسلمين جميعا مهما اختلفوا في أشياء من الأصول والفروع، فانهم قد اتفقوا على مضمون الأحاديث المقطوع عندهم بصحتها من “إن من شهد الشهادتين واتخذ الاسلام دينا له، فقد حرم دمه وماله وعرضه، والمسلم أخ المسلم، وان من صلى الى قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، ولم يتدين بغير ديننا فهو منا، له ما لنا وعليه ما علينا”.
|