عندما أبنت مجالس النجف غرقى الباخرة تايتانيك كان لمجالس النجف الأشرف وظائف انسانية وثقافية واجتماعية متعددة، كانت تمثل بمجموعها مايشبه وظيفة الحكومات المحلية وما يطلق عليها اليوم (المجتمع المدني)، وقد ساعد على ذلك اداء هذه الوظيفة تعدد المجالس وتنوعها وكذلك حرية الناس في ارتياد هذا المجلس أو ذاك. ومن هذه المجالس أي (الدواوين) كانت تنتشر الأخبار السياسية، وغير السياسية ذات العلاقة بالعالم الداخلي والخارجي. البعيد والقريب، وكان المنبع الذي تستمد منه المجالس الأخبار الخارجية يومذاك هو بعض الصحف التي كانت تصل الى النجف بين آونة وأخرى من اسطنبول وإيران، وبيروت، والقاهرة، وبغداد،
فتدخل بعض المجالس وتظل الألسن تلوك أخبارها الى ان تصل رزمة جديدة منها بعد أسبوع او أسبوعين، وأحيانا بعد شهر أو أكثر لعدم انتظام وصول البريد يومذاك وكان المنبع الآخر الذي تستقي منه هذه المجالس أخبارها هم (الجنازون) والجنازون هم حملة الجنائز الذين يأتون بالجنائز من مختلف الأصقاع وبغاية ما يستطيعون من السرعة خشية تفسخ الجثث ليدفنوها في النجف فينقلون ما يعرفون من أخبار أصقاعهم ومواطنهم الى مضيفيهم ومعارفهم، ينقلها هؤلاء فوراً الى تلك المجالس بحكم العادة، ومن هناك تنتشر في جميع أطراف النجف بسرعة البرق. وعن طريق هؤلاء (الجنازين) كثيرا ما تتضارب الأخبار وتتناقض، ولكنهم كانوا كالراديو أسرع وسيلة يومذاك لوصول أخبار المدن وحروب القبائل وما كان يجد هناك، وكانت هذه الاخبار تصل صحيحة تامة الصحة حينا، وملفقة بعض التلفيق او كل التلفيق أحيانا أخرى. وكثيرا ما تعوز رواة الأخبار غير الصحيحة الحجة فيما يروون فيتكئون على الجنازين ويتخذون منهم سندا فيها يروون قائلين: “روى ذلك جناز ورد على آل العادلي مثلا او آل حموزي” وللسخرية بالأخبار غير المنطقية او الحوادث المستحيل وقوعها يقول النجفيون عنها: انها أخبار (جنازين)، ولذلك كثيرا ما يتفكهون في صياغة الأخبار الفكاهية على ألسن (الجنازين) فيقولون مثلا أن الباب الأعظم ينوي ان يؤسس في الفاتيكان مقبرة واسعة يعارض بها مقبرة النجف، ويدعو أهل الجنائز ان يدفنوا جنائزهم فيها بدلا من دفنها في النجف، ثم ينسبون الخبر الى (الجنازين) قائلين: ذلك جناز جاء من إيطاليا حديثا ونزل على (آل الملك) او (آل مال الله) مثلا، وآل الملك وآل مال الله أسرتان من الأسر النجفية المعروفة. ومع ذلك فكثيرا ما تصل الى النجف أخبار صحيحة وسريعة عن المدن العراقية والقبائل وما كان يجد في الأطراف بواسطة هؤلاء الجنازين. وهناك عامل آخر ذو شأن في اتصال النجف بالعالم الخارجي وهو كثرة من يخرج من النجف من طلاب الدين والمشايخ ومن يرد اليها منهم وكثرة الزوار الذين يؤمون النجف من مختلف الأطراف ثم الرسل الذين يحملون المكاتيب من العلماء والرؤساء في الخارج الى العلماء والرؤساء في النجف بقصد الاستفتاء او التوسط في قضاء بعض الحاجات العامة والخاصة، فكان كل هذا عاملا خطيرا في نقل الأخبار الى تلك المجالس وانتشار تلك الأخبار عن طريق المجالس، هذا مضافا الى العدد الكبير من الوجوه وكبار الشخصيات الرسمية والأهلية ورؤساء القبائل الذين يؤمون النجف في مختلف المواسم فيقصدون أول ما يقصدون -بعد زيارة مرقد الإمام- اصحاب تلك المجالس توددا لهم وتكريما لشخصياتهم او لداع من مصالح واستشارات وتبادل آراء بين أرباب تلك المجالس حول المسائل العامة او الخاصة لذلك كانت النجف أكثر مدن العراق على الاطلاق اتصالا بالعالم الخارجي البعيد والقريب لكثرة ما كانت تعطى، وكثرة ما كانت تأخذ من الأخبار والحوادث، وهذا ما ساعد النجف على ان تكون موضع التفات الأقطار الاسلامية والأقطار العربية فضلا عن قيمتها الروحية والعلمية والأدبية، وهذا ما جعل النجف أسرع المدن في تجاوب الأفكار لذلك لم يكن غريبا أن يكون الشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ علي الشرقي من أوائل من أبّن الباخرة (تايتانيك) ووصف غرقها وأحاسيس ركابها في أثناء الغرق، وكان لتلك الاتصالات او الصادرات والواردات كما يسميها أحمد الصافي النجفي متفكها شأن كبير في قيمة مجالس النجف يومئذ وما كان لها من أثر سياسي، وعلمي، وأدبي في الأوساط مما قد أشرنا اليه في هذه المجموعة من قبل: فصادرات بلدتي مشايخ وواردات بلدتي جنائز |