مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

أيــام رمضــــان وقصـــــته مع الرمـــان
مثلما تكون لكل مدينة او منطقة رائحتها الخاصة، قبيحة او جميلة، نجد أن لكل موسم او شهر في السنة رائحته التي تخلد في ذكرياتنا و تعيش في نفسيتنا. نتذكر جميعاً من شهر نيسان عطر القداح، براعم البرتقال والليمون التي تتفتح في البساتين المحيطة ببغداد. في شهر مايو اتذكر عطر اوراد الجوري الحمراء التي تبدأ النسوة باستخراج "ماء الورد" منها. يلي ذلك موسم طلع النخيل. في اشهر الصيف يعج شارع ابي نوآس وشواطيء دجلة برائحة شواء السمك المسقوف، وهلمجرا.
لشهر رمضان المبارك رائحة تخلد في نفوس الكثيرين منا. هناك من يتذكر رائحة شوربة العدس، او شواء الكباب، او دخان السكائر حسب ميول كل عائلة. بالنسبة لي يرتبط شهر رمضان في نفسي برائحة الرمان. اعتقدت والدتي رحمها الله أن عصير الرمان يقطع العطش، فواضبت على إعداد كمية كافية منه لسحورنا استعدادا لنهار الصيف الطويل. ما أن ننتهي من الفطور والأكل واللعب ويقترب الوقت من منتصف الليل حتى نجتمع في الحوش حول المائدة المثقلة بالرمان الأحمر اللذيذ. يستلم اخي مؤيد السكين ويبدأ بالتقطيع، ويكون اخي مظفر قد غسل يديه جيدا ليبدأ باستخراج الحب من ارباع الرمان. ويشمر موفق عن ذراعيه ليشرع بعملية العصر المضنية. وتقوم والدتي بجمع العصير وتصفيته واضافة السكر له ثم تبريده في الثلاجة انتظارا لوقت السحور. وخلال ذلك يكون البيت برمته قد تلوث بقشور الرمان وعصيره وبذوره. حيثما تمشي تعثر بقشرة رمانة او يقرقع تحت قدميك شيء من بذورها. ويبقى الحوش يعج برائحة الرمان حتى اليوم التالي. كنا اسرة كبيرة من والدين وجدتي وستة اولاد وبنات، مما يتطلب غالونات من العصير الخالص.
"اشربوا يا اولاد. ابني، اشرب! اشرب! انت ضعيف. تحتاج هواية رمان". كانت والدتي تقلق على نحافة بدني وشحوب وجهي وتتصور انني مصاب بالسل. وتعتقد أن الرمان مصدر جيد للحديد والفيتامينات ينجي الأنسان من كل مرض. ما أن يدوي صوت المدفع الثاني مؤذنـــا بتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود وابتداء الصوم، حتى نهرع نحن الأطفال لنكرع ما استطعنا أن نكرع من عصير الرمان وكلنا على أمل في أنه سيتولى قمع العطش في اليوم التالي. يسيل ماء الرمان على وجوهنا وصدورنا ودشداشاتنا ونحن نحمد الله تعالى على بركته ونعمته، ربنا الذي وهب بني آدم هذه النعمة الجبارة، شجرة الرمان وفاكهتها اللذيذة.
شهر رمضان، كـــكل المواسم الدينية لكل الملل والنحل، يتميز بجوه العائلي، باجتماع الأسرة، صغارا وكبارا حول سفرة الأكل، فطورا وسحورا، ونفائس الطعام. هكذا كنا نجتمع كبقية العوائل حول مائدة الفطور، ولكننا في بيتنا، كانت لنا مناسبة اخرى ثانيـــة لهذا الأجتماع العائلي، اقصد بها موعدنا مع الرمان وعصره على مائدة الأكل، ليلة بعد ليلة. مرت تلك الأيام والليالي. واختفت بغداد والعراق من افق حياتي ولكنني مازلت لا ارى الرمان في دكاكين الخضار خارج العراق، وهو شيء نادر، حتى ابادر لشراء كمية منه عالما تمام العلم أن الرمان الأجنبي الذي يباع في اسواق العالم غير رمان مندلي الذي اعتدنا عليه، كل واحدة بحجم بطيخة. احمل هذه الرمانات الأجنبية بيدي فتذكرني برمان العراق ورمضان بغداد وايام عصر الرمان وعصيره، مثلما تذكرني هذه الأيام المباركة من شهر رمضان الشريف برائحة الرمان وقشوره وبزره ومائه. ظل الأثنان متلازمين في روحي ونفسيتي.
في هـــذه الأيام الرمضانية المباركة التي مرت، خطـــر لي أن اتسائل من الأخوان والأخوات في الغرب، عما يتذكرونـــه من ايام رمضان في طفولتهم وديارهم الخاصة.
حكيت لهم عــــن طقوسنا في البيت وحكاية الرمان وتعلق والدتي به كمادة مضادة للعطش. نظرت أحدى السيدات في وجهي في عجب وقالت: "الرمـــان؟! الرمان يا عزيزي هو الذي يسبب العطش! من اين جاءت امك يرحمها الله تعالى بهذا الأعتقاد؟ كل الناس في العراق يعرفون ان الرمان يعطش الأنسان! نحـــن في البيت كنا نعتمد على نقيع الطرشانة (المشمش المجفف). هذا هو الذي يقتل العطش". المسكينة والدتي، عليها رحمة الله. كم كانت تعاني من العطش! الآن فهمت!
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home الصفحة الاخيرة الصفحة الاخيرة أيــام رمضــــان وقصـــــته مع الرمـــان
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة