|
عطا الشمري بحلول شهر رمضان في ربوعنا تختلف النظرة إلى الأشياء ويبدو الوجود الاجتماعي والنفسي للإنسان مع أهله وفي عمله مختلفا. فرمضان الكريم شهر المراجعة والاستزادة ومواجهة الذات أو هكذا ينبغي ان يكون. فرضت التقسيمات علينا تسميات جديدة مثل المثقف الديني والمثقف غير الديني. ورغم ان الاثنين ينخرطان في هذه المناسبة السعيدة إلا ان واجبات المثقف الديني تختلف بحكم ما يضمره ضرورة من نزعة دعوية ترتبط بعقله وضميره وتكليفه الشرعي. واعتقد ان مهمة هذا المثقف كما عالم الدين سد الفراغات التي تنشا من تحول التفكير بشان العبادات والطقوس إلى مظاهر شكلية ليست مستوفية للغايات التي حددها الشارع وأثبتها العقل. وفي عصرنا الحالي فان وسائل الدعوة قد تعددت حتى أصبحت مخاطبة الناس في بيوتهم وبالألوان الطبيعية سهلة ميسورة. ورغم ان نفس هؤلاء الناس يخضعون لمؤثرات مختلفة ومستمرة إلا ان العمق النفسي والخيار الأكثر ترجيحا في نفوس المسلمين هو للدين الوسطي المعتدل الذي يؤكد قدرات الإسلام تحديدا على الربط البديهي والعفوي بين عالم الغيب والشهادة.
ولابد من الاعتراف ان قلقا يساور الغالبية العظمى من المسلمين إزاء بروز ظاهرة التطرف والمغالاة خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة. لقد تحولت هذه النظرة المغالية إلى تكفيرية تستبيح الدماء بسهولة بعد ان استطاعت النفاذ من خلال الثقافة الإسلامية التي أثبتت عجزها إزاء هذه الظاهرة. ويشكل رمضان بكرمه وأجوائه الروحية فرصة لإعادة النظر بهذه الأفكار الشاذة والتي أصبحت كمسلمات يتعامل بها إعلام مشبوه وقاصر لا يستطيع ان يرى سماحة الإسلام وعدله وإنسانيته. والخشية ان تتحول المناسبة إلى تقاذف بالاتهامات بين هذه الفئة ومن يحاول ان يردها إلى جادة العقل والصواب. لكن قلقا مبررا يثيره هذا السكون من المثقفين إزاء ظاهرة التكفير واستخدام وقائع من التاريخ الإسلامي بعزلها عن سياقها وإلصاق التهم وإثارة غبار كثيف يضع أجيال الأمة في حيرة من أمرها لا تقوى على شيء ولا تستطيع ان تواجه الظروف الصعبة المتمثلة بتحديات العلم والديمقراطية والاندماج. فالمفروض ان المثقفين أول من يدرك خطورة انتشار الفكر التكفيري وان صدعا سوف يحدثه هذا الفكر في جسم الأمة لن يلتئم بسهولة كما اخبرنا التاريخ بذلك. في رمضان تصفو النفوس وتلتقي أمنيات المسلمين وهم يمارسون طقسا جماعيا في كل أرجاء المعمورة عسى ان يفيد المثقفون خاصة من هذه الأجواء لاستلهام صياغات أخرى للوجود الاجتماعي غير تلك التي يستطيع ان يخترقها "بسهولة" أولئك العابثون المتعصبون”. |