مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

باباً للحوائج
كان الاكتشاف مذهلاً، وقع بصر الطفل على متلازمة معمارها قباب ذهبية وارض ملساء نظيفة وكمية كبيرة من الطيور التي لا تخاف الزوار. كان السؤال قديماً في العراق حول طيور لندن التي لا تخشى من يداعبها في ساحات لندن الرئيسة والاسباب التي تجعل من هذه الطيور تخاف الناس وتصفق بجناحيها ازاء اقل (نشة) من صغير أو كبير.
لكن طيور الكاظم (عليه السلام) خالفت القاعدة العراقية بتألفها مع الزوار واطفالهم. واكتشف الطفل ان هذا الحمام يمارس حريته فلا يخشى احداً في الصحن المهيب الذي تكثر فيه العباءات السوداء والنفوس الباحثه عن اليقين، وأشعة الشمس تنتشر على قبتين ذهبيتين باذختين ثم تتوزع على ارض تستوطنها طيور لا تخشى الزائرين ونفوس تستغيث طالبة حوائج من الله تعالى تمر طلباتها عبر هذه الاضرحة مظللة باجنحة الطيور الحرة.
وللطيور وظائف أخرى كان قد اكتشفها الفتى، فالنذور وان ياتي الزائر أو الزائرة بكيس من الحبوب ينثره على هذه الطيور اثر كل طاريء من الدمامل يطرأ على جلد الزائر أو أحد ذويه. يأكل الحمام الحبوب بهدوء دون استفزاز ثم يتوزع على النقوش الداخلية للصحن الكاظمي الشريف، وقد تدلف احداها فتجلس تنظر الى المتوسلين متربصة عرش احدى الثريات المهيبة التي ينظر اليها الفتى بدهشة يضيفها الى دهشة القباب والحمام الامن. ومنذ ذلك الحين ارتبطت حياة الفتى بباب الحوائج، ففي كل نجاح في المدرسة تذهب الاسرة احتفاءاً الى باب الحوائج، وفي كل نازلة مرض أو نحوه تفزع الاسرة ومن يرافقها من الجيران الى باب الحوائج.
وقد اضيف سبب اخر في السنوات التي استوطن فيها العتاة العراق فكانت عائلة الفتى وقد اصبح رجلاً تلوذ بباب الحوائج كي يخرج فتاها من سجون النظام ليستمتع مع الاسرة بمنظر الطيور التي بقت صورتها محفوره في ذاكرته يرويها لمجاميع من السجناء تشوقت اثر هذا الوصف ان ترى طيور الكاظم (ع).
كان جسر الائمة في طفولة الفتى محتفظاً بجدته وحداثته، ويشكل العبور عليه مشيا او بالسيارة متعة خاصة بالفتى، اذ يعلو هذا الجسر عنفوان دجلة الذي يضخ الاسرار والاسماك بمائه الغزير والوفير وهو يمر مطأطئاً رأسه امام القباب ملقياً تحية يحسها العابرون الى جوادين يربضان في مقابر قريش ويفتحان الوان الثقة واليقين.
وكان الفتى يقص في زنزاته مظلمة على مجموعة ظمت اطيافاً من العراقيين ومن كل المحافظات تقريباً المرة الاولى التي سمع فيها بالسندي بن شاهك. وقد تذكر الفتى فجأة ان هذه المرة التي ذكر فيها السندي بن شاهك وهو السجان الذي تولى أمر سجن موسى الكاظم (عليه السلام) يمكن ان يقع بيته أو سجنه عند حافات المتنزهات التي تقع مباشرة عند عنق جسر الائمة من جهة الكرخ. كانت المتنزهات عبارة عن غابات في غاية الجمال والروعة تتناول العوائل فيها وجبات الطعام خلال رحلتها لزيارة الجوادين. وكان الفتى شديد السرور بالالعاب البسيطة التي ابتدأ بها النظام الملكي خدماته للجمهور والناس.
وفي احدى المرات سقط الفتى على احد هذه الاحجار فشج رأسه وخرجت الدماء منه، لم يذهب به والده الى الطبيب بل وضع منديلا على رأسه المدمى وعاد به صوب باب الحوائج يعاتبه على انتهاك هذا الحجر رأس زواره.
ونفس العتاب بثه الفتى الذي اصبح رجلا الى باب الحوائج والجواد في صقيع ايام الاستخبارات العسكرية التي مكث فيها شهورا طوالاً بين الموت والحياة، تقع هذه المديرية قبالة الضريح المقدس للجوادين وقد دخل في قناعة القابع في سجونها ان هذا هو مكان السندي بن شاهك، فاعتراه احساس يضارع الاحساس بالطيور واشعة الشمس التي تختفي بالقباب وتوزع الاضواء، وقد تخللت ذهب القباب الى الصحن الشريف ومجاميع من عباءات النسوة والشابات يسألن باب الحوائج عن عريس يأتي معهن للزيارة لمباركة الطفل الاول.
اما اذا استعصى على الرجل مهماته الزوجية الحميمة مع زوجته فثمة باب الحوائج يفزع اليه الناس ليحل الاشكال في ساعة ولن تشهد عليه الطيور لكن اشعة الشمس تحتضن كل المكان وتوزع اشعتها على الامنيات والهواجس والمعاناة باقسى درجة الشعور بالاستجابة واليقين والسـعادة.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home الصفحة الاخيرة الصفحة الاخيرة باباً للحوائج
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة