مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

العشائر والسياسة

عطا الشمري

ليس مصادفة ان يهتم أبرز علماء الاجتماع في العراق "علي الوردي وعبد الجليل الطاهر" بالعشيرة كمكون سياسي فاعل "سلبا أو إيجابا". لقد غلب السلب على تفكير ورؤى الدكتور الوردي إزاء موضوعة العشيرة ودورها في السياسة. لقد استند العلامة الوردي في هذا الموقف الذي يبدو قاسيا إلى الميراث التقليدي المعروف عن العشيرة وكذلك طبيعة التفكير الحديث "غربي المناهج" الذي يسمي هذه التكوينات بما قبل الدولة. وقد ساعد على شيوع هذه النظرة النمطية للعشيرة وخاصة في العراق رموز من مشايخ الإقطاع الذين حازوا "المشيخة" بتوارث الأرض ورقاب العباد. لقد ضربت هذه المشيخات المثل في الظلم والقسوة خاصة في الجنوب العراقي.

وقد أدت هذه المشايخ أدوارا في تشكيل مزاج الناس وموقفهم من السلطة وعملت وكيلة لكل سلطة مركزية ضد أبناء جلدتها بأساليب لا يمكن ان تمحى من الذاكرة. والوجه الآخر للعشيرة سواء من حيث المشايخ أو العادات هو الوجه الذي سوف "أتورط" بالدفاع عنه واعتبره صالحا للتعاطي مع اللحظة السياسية العراقية الحديثة بحكم افتقاد البلاد إلى منظمات مجتمع مدني وإمكان ان تعبر العشيرة عن بعض وظائف هذا المجتمع المفقود. سوف يعترض الكثيرون على اعتباري بعض الوظائف العشائرية قريبة من وظائف المجتمع المدني. إلا إنني أرى ان ذلك أمر ممكن خاصة بعد ظروف الاستقرار والتعليم والتثقيف وهي المراحل التي مرت بها اغلب العشائر العراقية. كما ان نمطا من المشيخات العشائرية يعبر عن حرية في الاختيار عندما يجتمع رأي أفراد العشيرة على شخص بعينه اعترافا منهم بكفاءته الإدارية وأخلاقه في إدارة "العقد الشعائري". ان هذه الصيغة الأخيرة إذا ما جردناها من بعض صفاتها السلبية فإنها تمثل قدرة كامنة لدى التنظيمات العشائرية في إمكان الاختيار على أساس الكفاءة والأخلاق. ان ذلك هو عين ما يحدث في السياسات الحديثة سواء في العراق الناهض أو في غيره من الدول. وأود ان استبق المعترضين بان أعلن ان أمنياتي مثلهم ان يتحول العراق إلى دولة حديثة يستظل جميع مواطنيها تحت راية الدستور والعدل والقضاء المستقل ورقابة السلطة الرابعة. إلا ان الطريق إلى ذلك يبدو طويلا كما خبرنا الوضع في نصف القرن الأخير وبالذات في السنوات التي أعقبت سقوط النظام الشوفيني المباد. وحتى يتغير تاريخ العراق ويتوجه نحو هذه الدولة "الحلم" لابد من التعامل مع المكون العشائري بطريقة أكثر عقلانية ومعرفة بالحقائق العميقة لهذا المكون وإنه ليس بمستعص على التحول كما تحاول بعض الأفكار التي تريد تأكيد حداثتها بالتطرف في هذه الآراء. والملاحظة الجديرة بالانتباه ان زعماء العشائر المعاصرين وحتى في أقصى نقطة نائية في العراق لا يستطيعون ان يفرضوا رأيهم كما في السابق على أفراد عشائرهم لاختيار من يمثلهم في الانتخابات. هذه علامة من علامات الطريق الطويل نحو العراق "الآخر!".
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home الصفحة الاخيرة الصفحة الاخيرة العشائر والسياسة
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة