مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

شيخ الظرفاء حسين قسام وفكاهة المستحيلات الثلاثة
كتب الفقيد جعفر الخليلي في موسوعته “هكذا عرفتهم” عن الظرف والظرفاء. هنا يقف الخليلي في محطة متميزة اسمها “حسين القسام”؛ فيقول:
وعلى ان حسين قسام في آخر حياته لم يكن كالسابق من حيث الحيوية والنشاط والقابلية الذهنية، فقد كان الجلوس اليه واستعراض ما بقي في ذهنه من القضايا لا يخلو من متعة وطرافة، فلقد تجاوز حسين الخامسة والستين، وافتقد تلك القابلية التي كانت تعينه على تمثيل  ادوار “المقالب” المضحكة، وضاقت به الواسعة لكثرة المصروف وقلة الوارد الذي لا يتجاوز مرتبا زهيدا يتقاضاه من الاوقاف لقاء سدانته لمقام “هود وصالح” عليهم السلام بمقبرة وادي السلام في النجف الاشرف، ثم القليل مما يدفعه له بعض زائري “المقام” على سبيل النذر او التقرب الى الله تعالى.
وحسين قسام نسيج وحده في تمثيل الادوار الفكهية والظرف ونسج الاحابيل والنكات ونظم الشعر الهزلي المضحك، ولقد عرفته اول ما عرفت عن كثب في يوم كنت اصدر جريدة “الفجر الصادق” في النجف الاشرف، فلقد ربح حسين قسام احدى جوائز مسابقات- الجريدة الفكاهية التي طلبت من المتسابقين ان يأتوا بافكه مستحيلات ثلاثة كما لو كانت بايديهم العصا السحرية التي تومي للشيء بان يكون ما يريدون فيكون.
ودخل يومها المسابقة عدد كبير لمحض التسلية وكانت لبعض تلك المسابقات مغاز وأبى حسين الا ان يكون جوابه قصيدة شعر باللغة العامية كان منها الابيات التالية:
لو وكع بيدي صعدت سابع سمه
بلا درج واركب بعيره معممه
وبالسما الثالث اطش خضرة هنود
من تورّد تطلع بزازين سود
وفرد عتوي زارع برجليه يهود
وفوك علباته كنيسه مهدمه
وبالنظر لما لقيت هذه المستحيلات المنظومة يوم ذاك من اقبال فقد نظم حسين قسام على غرارها عددا من القصائد الفكهية الاخرى فيما بعد..
ويختلف حسين قسام عن غيره من الظرفاء بكونه طبع على الفكاهة كمتفنن وممثل يتعاطى التمثيل في الطرق والاسواق كما يتعاطاه الممثلون فوق المسارح.
وقد يتفق لحسين ان ينادي القهواتي في المقهى فيسأله عما اذا كان شاي المقهى شايا جيدا؟ فيجيب الرجل على العادة بان شايه في غاية الجودة وقد ابتاع منه عشرة صناديق خوفا ان ينفد، فسأله حسين: وهل هو جديد “التخدير” لم تاخذ منه النار اكثر مما ينبغي، فيقسم القهواتي بانه لم يصب منه ولا فنجانا بعد، ويعود فيسأل: وماذا تظن من ناحية الطعم والرائحة فهل شايك هذا جيد الطعم في المذاق؟ معطر الرائحة في المشام، فيجيبه بان يسأل جميع الزبائن عنه، وهنالك يقول له حسين:
- اذن جيب فرد حامض.. اي إتي بقدح من الشراب الحامض.
ووقف مرة وسط الشارع مشيراً لسيارة كانت تسير بسرعة من هناك وحين وقفت السيارة قال حسين قسام يسأل السائق:
- عندك خردة ربع دينار؟
اي هل تستطيع ان تصرف لي ربع دينار؟
وفي مثل هذه الاحوال كثيرا ما كان يتعرض حسين لمشكلات كبيرة تؤول الى الشتائم والضـرب والشكوى لدى الشرطة، لكن حسين قسام المطبوع على الهزل لايمتنع من حبك الفكاهة ولو ادى الامر الى زجه في السجن.
وقيل لحسين قسام وهو يصعد احدى عربات الدرجة الثالثة من القطار العامل بين كربلاء وبغداد، ان هنا مفتش بطاقات ارمنيا لا يشبهه احد في الشراسة وسوء الخلق وهو يعمل على هذا الخط منذ زمن طويل وقد ضج الركاب من شراسته فما تقول لو اتخذت منه موضوع سخرية في هذه الليلة ولم تكن عربات هذا الخط مضيئة في الليل يومذاك، فما كاد القطار يتحرك ويسود الظلام ويحس حسين بالمفتش المذكور يصعد العربة وبيده مصباح صغير حتى القى بنفسه في وسط العربة والتفع بعباءته وتظاهر بالنوم وراح يغط غطيطا مسموعا.
وبشيء من تلك الشراسة التي يتحدث فيها ركاب هذا الخط قام المفتش بتفتيش بطاقات الركاب وحين دنا من حسين قسام ركله برجله وصاح به في لهجة خشنة نابية.
- يا الله.. تذكرتك؟ اي اعطيني بطاقتك..؟
وهبّ حسين من نومه متظاهرا بالفزع كما لو كان في حلم مزعج وقبض على رقبة المفتش بيده اليسرى، وباليد اليمنى راح ينزل على رأسه الصفعات تلو الصفعات، مصحوبة بصرخات متوالية:
- حرامي.. حرامي..
ثم يجمع ما يحتوي عليه فمه من البصاق ويقذف به في وجه المفتش بصورة متمادية، ولا ينفك يصرخ:
- حرامي.. حرامي..
كل ذلك والمفتش يصرخ بصوت مبحوح مخنوق ويقول:
- انا لست حراميا.. وانما قارض تذاكر..
ولكن حسين قسام يستمر في التضييق على رقبة المفتش وفي انزال الضربات على رأسه وفي ملء وجهه بالبصاق حتى يقوم رفاقه في العربة فيخلصوا المفتش من بين يديه ويفهموه بان الرجل ليس حراميا كما قد توهم بسبب نومه وانه ليس الا قارض التذاكر فيعتذر حسين للمفتش ويضحك المفتش من هذه المصادفة على رغم ما نزل به من الضرب المبرح والاهانة..
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home الصفحة الاخيرة الصفحة الاخيرة شيخ الظرفاء حسين قسام وفكاهة المستحيلات الثلاثة
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة