| من هم عباد الرحمن |
|
هاشم الموسوي القرآن الكريم عندما يتحدث عن حقيقة، والوحي عندما يستعرض فكرة، يحاول ان يرسم للقارئ صورة، ويجسد له مشهداً، ويضع بين يديه وضوحاً وبياناً باسلوب خصب، وعرض مؤثر، وتقصّ متقن وبعبارة وجيزة، وطريقة رائعة تملأ المشهد حيوية، وتفيض على ابعاد الموقف جلالا وروعة الى درجة يحس معها المتلقي بالاندماج مع الفكرة ويستشعر المتعامل معها بالاتحاد والتفاعل مع الصورة، فتعيش افكاره مع القرآن الكريم، ويمتد وعيه مع آفاق الوحي، دون ان يشعر بالانفصام، أو يحس بالفجوة والبعد بين الصورة والحقيقة التي يتعامل معها. والقرآن في مقطوعته الوصفية الرائعة لعباد الرحمن، قد عالج الموقف بهذه الطريقة، وعرض المشهد على هذه الشاكلة، فهو عندما تحدث عن عباد الرحمن، عرضهم نموذجا حركيا للانسان، تجللهم صفة العُبّاد وتميزهم صبغة الايمان.وقد أحاطهم بالعناية والنسبة الى الرحمن، فهم عباد مصطفون من خليط البشرية، ومختارون من بين الجموع للانتماء الى هذا المجد العظيم “عباد الرحمن”، وللانضواء تحت لواء هذا الشرف الرفيع “صفة الرحمة”. ولذا تحدثت عنهم وهم يظهرون بخط ريشته، صفوة متميزة عن غيرها في حركة الحياة الزاخرة بالصراع والمتناقضات، والمليئة بمختلف الاتجاهات والعبوديات، بشتى مياسم الانتساب والانتماءات. وهو عندما تحدث عن اولئك اختار لهم انتماء عز من يحظى به، ونسبة قل من يتسامى الى الانضواء تحت لوائها وهي “العبودية للرحمن”. والمتأمل في القرآن الكريم يعرف ان القرآن لم يستعمل ألفاظه جزافاً. ولم يطرحها حشواً، بل لكل اختيار من الالفاظ عنده غاية، ولكل كلمة في عرفه معنى، ولكل اسلوب في عرضه هدف. والقرآن الكريم عندما نسب هذه الصفوة الى اسم معين من اسماء الله تعالى “الرحمن” انما قصد العلاقة المناسبة بين الرحمن وبين المنتسبين اليه، فحق ان يسحب هذا الوصف عليهم، ويغدق هذا الشرف على انتمائهم، لذا فهو لم يصفهم بعباد الجبار، ولم يطلق عليهم اسم عباد القاهر، ولم ينسبهم الى باقي الاسماء المقدسة، بل جاء اختياره لهذه النسبة، وتحديده لهذا الانتماء بقصد تشخيص الرابطة التي تكمن بين التسمية والانتساب. والمتعامل مع الفاظ القرآن الكريم يدرك ان القرآن الكريم عندما ينسب الى اسم من اسماء الله تعالى، أو عندما يعقب بذكر صفة من صفاته المقدسة، انما يستعمل ذلك اللفظ -الصفة او الاسم- ليفسر به العلاقة بين الخلق وخالقه، ويوضح الرابطة بين الصفات المقدسة في موضع الورود وبين متعلقاتها. فاسماء الله تعالى هي وسائط بين الله سبحانه وخلقه، وارتباط الوجود بهذه الاسماء والصفات ليس ارتباطا تصوريا مجردا، وتعبير القرآن الكريم عن هذه الحقيقة ليس صياغة ادبية لتحسين الاسلوب، أو وسيلة لعرض الفكرة، مجردة علاقة حقة بين الصفة والموصوف بها، بل يستهدف القرآن في كل ذلك تشخيص الحقيقة والتعبير عن العلاقة. فهو يقصد في ضم هذه الصفوة تحت صفة الرحمة، ونسبتها الى هذه الصفة الايحاء لها بالامن والسلام، وتأكيد وقايتها من طائلة الغضب والجبروت التي يتعامل بها الله تعالى مع العصاة والمجرمين. وهم ما استحقوا هذا الانضواء الا بعد ان اشرقت في نفوسهم انوار الرحمة، وامتدت في آفاقهم ظلال الهدى، فصاروا عبادا رحمانيين، متجاوبين مع هذه الصفة، يتعاملون مع الخلق باسلوب الرحمة، وينسابون على الارض بخطى الودّ والسلام. عرفوا انفسهم وادركوا خالقهم فخلعوا له رداءة الكبرياء، وتواضعوا بين يديه بهوانٍ وتصاغر، فلا عالم الاشياء المتلاطم -بصورة وأحداثه- يملأ قلوبهم، ولا ضجيج الحياة وزخرف الدنيا يزرع الكبرياء في نفوسهم. كيف وقد انفتحت آفاقهم على ذلك العالم القدسي!! فاطلت عليه أرواحهم، حتى صاروا هم الدنيا كزائر مودّع، وهم والآخرة كقاصد يرجو الوصول. |