| عنف اللسانيات وتراجع اللغة |
|
عبد الرحمن عزي ان اللغة المستخدمه في الحياة اليومية عامة (اي الكلام) يشوبها الكثير من العنف اللساني وبهذا يتم انتهاك حرمتها علانية فاللغة مصدر القيمة ومتى انحسرت سلطة اللغة على المتكلم او تم افراغها من قيمها دخل المجتمع فيما يمكن تسميته بالاتصال الاعتباطي... ان مستويات العنف اللساني تختلف من فرد الى اخر ومن فئة اجتماعية الى اخرى، ومن مجتمع الى اخر، الا ان المشهد اصبح ظاهرة (مدمرة) انعكست على حياة الافراد والمؤسسات على حد سواء واذا كان مستواه الادنى يتمثل في عدم الرد على التحية مثلا فان مستواه الاعلى يصل الى شتم الافراد باستخدام الالفاظ النابية وسب الدين والعباد، والبلاد، ويمكن في هذه الحالة استبدال ما قاله الشاعر عن الاخلاق بقولنا: ان العنف اللساني الذاتي ان يظلم الفرد نفسه والاخرين فيتفوه بكلمات لا يمكن العودة عنها اذا كان الضرر مس طرفا اخر في الكلام ويشمل ذلك مثلا: ان يجعل الفرد مركز اتصاله الغيبه والنميمة وقول الزور وغيرها كما يتضمن ذلك ان يكثر الفرد الحديث4 عن نفسه ويتباهى بصفات حاضره او مفتعله كقوله: “انا العارف” و”انا الذي نيت وشيدت” و”انا الشجاع” و”وانا الشاطر وانا الذي ان فعلت تفوقت وانا الذي يلجئ اليه حين تزيغ الابصار وانا الشمس اذا ظهرت لم يبد من كوكب واني وان كنت الاخير زمانه لات بما لم تستطع الاوائل”...الخ. ولو عاد المتكلم الى بنية اللغة القيمية لوجد ان ما اصابه من خير فمن عند الله تعالى وما اصابه من شر فمن عند نفسه وما الحديث عن النفس الا حالة مرضية وعنف لسلاني يضر بصاحبه قبل ان يضر بالاخرين. ويشمل العنف اللساني الاجتماعي اساليب تجاهل الاخر والتعدي عليه واحتقاره او اهانته ما يفكك اواصر المجتمع وينهك قواه ويفرغه من القيمة، ويشمل هذا العنف مجالات عديدة، فالبعض يخص الحياة المعيشية الصرفة والبعض يخص الحياة الاسرية والبعض يخص النمط الجديد من الحياة وتقديس المال واستهلاك منتجات الغير والتباهي بالابطال والنجوم الذين تعرض صورهم الاعلانات ووسائل الاعلام عامة، وينعكس ذلك في الفاظ خاصة ونكت وامثال...الخ. وعلى الرغم من ان بعض هذه التعبيرات قد تعكس واقعا معاشا الا انها ليست قيما لغوية، كأن يقال مثلا “لازم الواسطة”، “عنده سند”، “القوي ياكل الضعيف”، “وره ما شاب ودوه الكتاب”، “الاقارب عقارب”، “احييني اليوم وموتني باجر”، وفي مثل هذه الحالة تصبح “الواسطة” مساعدة اي صفة ايجابية و”الغش” انقاذ، والتحايل ذكاء وتجاوز الاخرين حنكه والتعدي شجاعة والتكبر رفعة، والحياء خوفا، والصبر مذلة...الخ. ويعني هذا ادخال بنية اخرى “إفسادية” في المعنى والمبنى. ويتضمن العنف اللساني السياسي الادعاء بامتلاك الحقيقة من دون غيرها، اتهام الاخر بانه لا يراعي الا مصلحتهِ، وتجاهل الطرف الاخر ما يسهم في التوتر وعدم ارتقاء المجتمع والدخول في الصراعات التي تبدد طاقة المجتمع وموارده ويتعلق العنف اللساني بتجاهل التباين الثقافي وانكار ثقافة الاخر واحتقارها او تهميشها ويشمل العنف اللساني الاقتصادي الاحتكار والتحايل والمضاربه خدمة لاهداف ومصالح خاصة. ان مرد العنف اللساني في نظرنا هو تفكك البنية القيمية للغة ومن ثم تفكك علاقة الفرد بالكلام والعلاقة مع الاخرين وكلما ابتعد الكلام عن القيمية فقد اجزاء كثيرة من معانيه ودخل في الاعتباطية واذا كان الكلام قد تأثر بالارث التاريخي المشوه والمنحدر من عصور الانحطاط والاستعمار وزمن الايدلوجيات فان تقلص ارتباط الكلام باللغة وبنياتها، وما ترتب على ذلك من افساد للواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي قد جعل عنف اللسان “خطرا” على كيان المجتمع وانتماءه وعلاقته بالاخرين. ان الاصل في اللغة التربية والتهذيب والكلمة الدالة هي القادرة على الانطلاق من المخزون القيمي لتلمس واقعا يعيشه الفرد او المجتمع وتدفع الى الاسمى في المعنى والحياة وبالعكس فان العنف اللساني ينزل بالفرد والمجتمع الى الدنيوي “الدوني” ويدمر ما انجزته اللغة من ثقافة وحضارة وقيم امتدت في الزمان والمكان. |
