| مسيرة مقلقة للادب العراقي المعاصر |
|
باسم الورد تشهد الساحة الادبية العراقية تراجعا "مسكوتا عنه" في الصحافة والاعلام. ولعل اسباب هذا السكوت تعود الى ان اغلب العاملين في الاجهزة الاعلامية هم من الادباء. ولا يستطيع هؤلاء العاملون نشر غسيلهم في الاجهزة التي يعملون بها. 1. التضخم الواسع في الدراسات الادبية والنقدية التي تعتمد التنظير التجريدي والمترجم حرفيا عن مقولات النقد الادبي الغربي. واشك ان يكون كتاب من هذه الكتب التي تعتمد النقد اللساني بطبعته العراقية يحوز رضا خمسة منالقراء هذا ان اقتناه احد دون اهداءات الكاتب او تبادل النقد والخدمة النقدية بين الكتاب انفسهم. لقد اضحى ميدان اللسانيات في تطبيقاته الادبية "العراقية" ترقى الى مستوى الفضيحة بسبب التواطؤ بين مجموعات شللية تتبادل فيما بينها المقولات والكتب والوظائف الرسمية وتحتكر كراسي النقد في الجامعات وهي بنفس الوقت لا تملك خمسة او عشرة قراء حقيقيين. 2. والصفة الثانية لحركة الابداع العراقي تمثلت في ضمور دور الاتحاد العام للادباء والكتاب بتحوله الة بيروقراطية لتفريخ الاداريين والصراع على المناصب مفتقدة قلق واحتراق المبدع في البحث عن معان جديدة للادب خاصة في ظل الاوضاع العراقية التي تستحق من الادباء ان يعبروا عن تحولاتها مثلما عبر بعض الشعراء الفلسطينيين او ادباء اميركا اللاتينية وبعض الادباء الافارقة والاتراك عن مشكلات شعوبهم بلغة فنية راقية واستلهام خلاق لمشكلات الواقع الاجتماعي والسياسي لشعوبهم. 3. كثرة المهرجانات ذات الطابع العلائقي الشخصي وتبادل المديح "وعلاقات النقد الادبي" بين الادباء والشعراء على صفحات الاعلام، فلم نقرا هذه الفترة مقالة او دراسة او بحثا معمقا حول اشكالات الادب العراقي تضع اصبعها على جروح هذا الادب. ان كل ذلك يتم بفعل طغيان غير مسبوق للعلاقات الشخصية وقد اضيفت اليها الطائفية والحزبية على علاقات الابداع والتجديد. 4. من الغريب ان يتوارى فن القصة العراقية القصيرة عن ريادتها العربية وكذلك فن الرواية. لم يقف القارئ العراقي على نص مهم واصيل يبقى في الذاكرة وفي اقلام النقاد وكل ما نسمعه يوميا حديث عن القاص محمد خضير دون ان نقرا له شيئا مهما منذ اكثر من عشر سنوات هي تاريخ كتابته "بصرياثا". ان هذا الانهاك الذي اصاب القوى الابداعية العراقية يمكن ان يفسر بطغيان القيم الريفية والطائفية على اجواء المدينة العراقية ما يمنع ازدهار فن الرواية التي هي ابنة المدينة. كما ان ذلك يعد مؤشرا على الخوف الذي يسكن المبدع العراقي خوض مغامرة الابداع الى منهاها في كشف وتعرية كل الاقنعة التي تحاول انتهاك المدينة "المدنية" العراقية لصالح التكوينات الطائفية والقبلية والاسرية. ان اغلب شعوب الارض لديها مرشحين لجائزة نوبل للاداب الا العراق فانه يفتقد المبدع الذي يمكن ان ينافس للحصول على هذه الجائزة ويضع الادب العراقي في موقع من مواقع الصدارة. وحتى الشعراء حيث يحتوي العراق اكبر عدد من الشعراء في العالم دون منازع فانهم يكتفون بمعاقرة جوائز بسيطة وثانوية مرتبطة بالعلاقات العامة والمنح والروح "الابوية" لبعض المشايخ وحكام الخليج المعروفة اهدافهم. فلو جمعنا المماحكات والمناكفات بين الشعراء العراقيين من الجيل القديم والجديد فسوف ندخل موسوعة غينس للارقام القياسية في منازعات الشعراء دون اثر شعري مهم يناسب هذه الشحناء التي يبدو انها صفة من صفات البيئة العراقية تنعكس على كل انشطتها. 5. سرت ادواء وعدوى عقم النصوص الادبية العراقية المعاصرة على مستوى مدرسي ومعلمي اللغة العربية في كل المراحل الدراسية. ففي مراحل التعليم العالي وفي اقسام اللغة العربية خصوصا فان مذابح للغة والتراث الادبي العربي والنص الحديث تراق على مسافح التبسيط والسذاجة والمجانية اذا تجنبنا الفاظا اخرى حفاظا على ما يمكن ان يتبقى. اما مدرسو الثانويات والمتوسطة والابتدائية فان جريمة قهر اللغة والادب العربي ورعاية المواهب اكثر ايغالا في حدتها وعبثيتها. 6. الطامة الكبرى الجديدة هي الفضائيات وما تبثه من ندوات ادبية او شعرية لا ادب فيها ولا شعر. فبعد ان يتلقى المواطن العراقي في صباحاته اكداسا من الصحف تحوي مقالات باقلام عراقية تخص النقد الادبي وكانها ترجمة رديئة لمترجم لا يملك معرفة باللغتين يركن هذا المواطن في الليل الى زعيق من شعراء او تنظير من نقاد لا يملك حضورا جماليا او ذوقيا او ابداعيا الا لماما. لقد ساهمت الفضائيات بشكل واسع في تعميم الجهل بالنص الادبي وجمالياته. وساعدت بالوقت نفسه على تسويق مواهب اولية من التي يحرقها هذا التمجيد الزائف والانتشار الوهمي. لا باس ان يظهر الاديب العراقي مقدما نتاجه المبدع لمتلقيه. لكن الاثر السئ للفضائيات هو في حرق المراحل وتجاوز مرجعيات النقد المهمة والركون الى العلاقات الشخصية للتبشير والتمجيد الكاذب. فحتى لو توفر هذا الاديب او ذاك على موهبة او قدرة فان غرورا سوف يصيبه من هذا المديح يصم اذانه عن التلقي وسماع النصيحة والاصغاء الى صوت النقد الادبي والثقافي ترصينا لموهبته وتنمية لها. 7. لم تعد حركة النقد الادبي في العراق مهتمة كالسابق في متابعة الاثار الادبية ورصد المبدع والاصيل منها وتنميته. فعلى الرغم من كثرة عدد الصحف والمجلات والفضائيات الا ان المتابعة الحقيقية والجادة والتي تغني واقع الادب العراقي لا تكاد تذكر حتى ان المشاهد العراقي او القارئ لا يطيق تقليب او مشاهدة البرامج الادبية. من المؤكد ان الواقع الابدي العراقي يعاني اشكالات متعددة بعضها يخص مجتمع الادباء انفسهم وبعضها الاخر يخص التطورات المختلفة التي فرضت نفسها على المجتمع العراقي. واعتقد ان اولى المهمات التي يمكن ان تنهض بها الاتحادات المعنية او الادباء انفسهم هي محاولة ترصين مقاييس النصوص النقدية والادبية بما يجعلها بعيدة عن المشاعية كي لا تتحول موهبة الابداع الادبي الى حرفة يستطيع اي كان طرق ابوابها ساعة يشاء. وارى ان قيام البيوت الثقافية واتحادات الادباء في كل العراق بمد جسور من الصلة مع الجامعات والمدارس الثانوية والتنسيق مع وزارت مثل التربية والتعليم العالي ضرورية بهذا الاتجاه. كما ان ترجمة الابداع الانساني الى اللغة العربية وتعميمه عن طريق معارض الكتب يشكل اغناءا للتصحر المعرفي وحتى الادبي لدى الادباء العراقيين. وكلمة اخيرة تنطبق على الادباء والشعراء كما على غيرهم هي ان يبحث الانسان لنفسه عن مهنة يجد صدى لها في نفسه وروحه وخياراته الاخلاقية العميقة تشكل مفتاحا للنجاح.
|