مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

ابو العلاء المعري ساخرا

عبد الرزاق الشمري

من الصعب تصنيف شخصية إشكالية مثل أبي العلاء المعري. عاش شيخ معرة النعمان أكثر من ثمانين سنة من منتصف القرن الرابع حتى منتصف القرن الخامس الهجري تقريبا. مثلت هذه الفترة أوج ازدهار الحضارة الإسلامية وبداية الأفول الذي أصابها مقتلا عندما نخر سوس الاستبداد والأقوام التي تحكمت بالسلطة من الترك والفرس وقبائل بدوية قادمة من سهول آسيا الوسطى. ان هذه الفترة يمكن ان تسمى بامتياز فترة القلق الحضاري ولا يمكن إلا ان يكون شيخ المعرة المعبر الأكثر قوة وفصاحة في التعبير عن فترة القلق التي صاحبت هذه التحولات راصدة علاماتها ومحذرة من النهايات التي برع المعري في قراءتها كأنه يراها واقعة أمامه رغم ابتلائه بفقد نعمة البصر في فترة مبكرة من حياته اثر أصابته بمرض الجدري.

روح النقد عند المعري
يعتبر المعري من الشخصيات المظلومة في التراث العربي والتي لم تأخذ حظها من البحث والدراسة والتحليل كما ينبغي وكما تستحق. برع المعري في إبداع أشكال جديدة من التعبير الأدبي واللغوي غير مألوفة في كلام وتفكير العرب. فرسالة الغفران مثلا تعبير عن تواصل الفكر العربي مع النثر الجاحظي الذي تعلم من القران الكريم الكثير. لقد غادر أبو العلاء في هذا المؤلف المهم والذي تأثر به دانتي في الكوميديا الإلهية طغيان الشعرية العربية والسجع والنثر المعقد.
قدم المعري سبيكة نثرية من خلاصات أرقى نصوص العربية وهي القران الكريم وأحاديث النبي (ص) وخطب الإمام علي (ع) التي جمعها الشريف الرضي في نهج البلاغة وأدب الجاحظ والتوحيدي كما تأثر بفكرة المقامات عندما جعل له بطلا اسمه ابن القارح على غرار بطل المقامات الشهيرة أبي زيد السروجي.
تميزت الروح النقدية للمعري بشمولها مظاهر الحياة كافة السياسية منها والفكرية ومظاهر التدين التي أخذت طابعا شكليا كما هو الحال في فترات التحدر الحضاري وفي كل الأمم والثقافات. ومن طبيعة السخرية الأدبية في النصوص العالمية الكبرى أنها تمثل قدرة روحية لدى الساخرين في معرفة القوانين الكبرى التي تحكم الوجود والتعبير عنها بلغة تصيب الهدف وتصل إلى القلوب والإسماع بلذاعتها واختزال كلماتها وقوة الصورة التي تحملها. يروى عن الحكيم سقراط ان تلامذته أكثروا القول : "من المؤسف أيها المعلم ان تموت دون ذنب ارتكبته" فأجابهم سقراط : "وهل تظنون ان الموت كان يمكن ان يكون أسهل لو كنت مذنبا" فضحك الطلاب وهم يبكون بالوقت نفسه.
والأدب الساخر تعبير عن إمكانية نفسية عميقة يضاف إليها قدرة أدبية حاذقة وماهرة. فإذا اجتمعت الظاهرتان في شخص المبدع فان التعبير الأدبي يبقى تراثا حيا للأمم وصورة عن العصور التي سجلها هذا الأدب. ولهذا السبب يعتبر الأدب الساخر من الآداب النادرة في أدب الشعوب عموما لحاجته إلى شروط خاصة جدا.
موضوعات المعري
لم يبق أبو العلاء المعري ظاهرة من الظواهر في زمانه إلا ونالها بالنقد الذي يمثل خلاصة تجربة العقل إزاء الظواهر اللاعقلية أو "الشعبوية". والملاحظة الجديرة بالانتباه ان نقد المعري وسخريته من الظواهر العامة يرقى إلى مستوى من التركيب يجعل المعري مفكرا أو فيلسوفا نقديا بامتياز. وللنظر إلى سخريته من رواة الشعر أو من النحاة كي نقف على هذا المعنى المركب ومضمونه الحضاري الرفيع. ففي كتاب "الصاهل والشاحج" والصاهل هو الحصان إما الشاحج فهو البغل يتحدث المعري على لسان الشاحج ويقول: "فاني كرهت ان أتصور بصور أهل النظم المتكسبين الذين لم يترك سؤال الناس في وجوههم قطرة من الحياء ولا طول الطمع في نفوسهم أنفة من قبيح الأفعال". وبهذا النقد اللاذع لأدب التكسب والكدية يؤصل المعري عميقا لظاهرة الفكر النقدي في الحضارة الإسلامية الذي يعلي من شان العقل المرتبط بالحرية. وقد ذهبه بيته الشهير:
كذب الظن لا إمام سوى العقل
مشيرا في صبحه والمساء
ذهب هذا البيت مذهبا في التقاء الأدب العربي بالحكمة العقلية ثم أكده بتأليف كتابه الأشهر رسالة الغفران الذي يعتر احد أهم نصوص العربية والإبداعات العظيمة للثقافة العربية الإسلامية حتى اليوم. وأية دراسة مقارنة يمكن ان تثبت تأثر بل واحتذاء دانتي في كتابه الشهير الكوميديا الإلهية بالمعري. وإذا أخذنا بالاعتبار طبيعة الزمن وبنية الحضارتين الغربية والإسلامية فان أصالة المعري وقوة أفكاره وتسامحه وانفتاحه على كل الأديان يجعله أستاذا في الأديان المقارنة ويجعل من دانتي تلميذا صغيرا في مدرسته.
أثرت الظروف الشخصية للمعري على أدائه ونظرته للحياة فقد لزم بيته محاذرا الاختلاط وكارها الطغام والمثقفين على السواء. وقد وصف حاله في أبياته الشهيرة:
أراني في الثلاثة من سجوني
فلا تسال عن النبأ الخبيث
لفقدي ناظري ولزوم بيتي
وكون النفس في الجسم الخبيث
ولهذا السبب كره المعري المتبجحين والمتسولين بالفكر والذين يعتاشون على بيع عقلهم وفكرهم إلى أصحاب القوة. وقد سخر المعري على لسان ابن القارح من غريزة الطمع التي صاحبت أداء النحويين والشعراء وبقية ممثلي الثقافة العربية حينها. ففي عالم الجنان يقف ابن القارح أمام "سفرجلة" تتحول من فاكهة إلى جارية فيسجد ابن القارح شكرا ثم يخطر بباله وهو ساجد انس فرجلته المتحولة ذات جسم ناحل , وبعد ان رفع رأسه من السجود رآها مكتنزة فسجد مرة أخرى وهو يسمع تداخلا في الأصوات تخبره عن تحولات يريدها ويطمع بها. ولم يغب عن باله نقد المقلدين الذين لا يستخدمون العقل ولا يستمعون إلى ندائهم الداخلي:
في كل أمرك تقليد رضيت به
حتى مقالك ربي واحد احد
يلخص هذا البيت من الشعر أجواء الحرية في الحضارة الإسلامية التي شهدت مدا وجزرا معروفين كما يثبت إيمان المعري بقدرات العقل على معرفة الحقيقة وهي النزعة التي سميت في أوربا بعد فترة قليلة بالنزعة الإنسانية.
وكان شديدا على شعراء التكسب وقد نالهم من قلمه وصولاته الكثير:
تكسب الناس بالأجساد فامتهنوا
أرواحهم بالرزايا في الصناعات
وحاولوا الرزق بالأفواه فاجتهدوا
في جذب نفع أو بنظم في سجاعات
لقد عاف المعري المدح وما يتعلق به من شعر وأخلاق شخصية حتى بات يكره سيرة كتابه الأول "سقط الزند" الذي كتبه أول شبابه وكان به بعض المديح لنفسه. ويقول تلميذ المعري التبريزي بهذا الصدد "رايته -أي المعري- يكره ان يقرا عليه شعر صباه في سقط الزند وكان يحثني على الاشتغال بغيره من كتبه مثل لزوم ما لا يلزم". لكن أعجب واغرب ما قرأت من إبداعات المعري كان في نظرته للغة والنحويين في زمانه. واعتقد ان وجه الغرابة والإعجاب مبرران إذا ذكرت السبب "اعتقد ان علوم الألسنية اليوم ونظرية اللغة والتوليد كانت حاضرة في ذهن المعري في طريقة سخريته من النحويين واللغويين الذين حولوا اللغة إلى طلاسم بدل ان تكون لغة العفوية والانطلاق كما عبرت عنها نصوص العربية الكبرى "القران الكريم والحديث ونهج البلاغة".
عقد المعري حوارا في جنته في رسالة الغفران بين اللغويين محولين بصرهم عما هم فيه من نعيم الجنة ليتجادلوا حول اسم "سلال". وبلغ هزأه بالنحويين عندما جعلهم شغوفين ببطونهم بعد ان تيقنوا من أماكنهم في الجنة. فقد اشتهى أبو عبيدة طاووسا مشويا من طواويس الجنة عندما رآه طائرا يعجب من يراه مشويا بالخل أو يكون في صفحة من ذهب. وعندما تمر اوزة من فوقهم تشرأب الأعناق فيشتهيها بعضهم مشوية أو كردناجا أي كباب بالفارسية أو معمولة بـ"سماق" أو باللبن والخل.
 فينادي أبو عثمان الأصمعي " ما وزن الإوزة ؟ "فيجيبه: أإلي تعرض بهذا يا فصعل وطالما جئت مجلسي بالبصرة وأنت لا يرفع بك رأس؟. وقد بلغت سخريته من النحاة انه يصف الدؤلي بغير القادر على ان يفهم كلام الفارسي دليلا على تعارضهم الشكلي وتحويلهم اللغة إلى مادة للتكسب رغم عبقريتهم وقدراتهم العقلية التي توسلت بالعلم للتكسب لا للحرية.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home ادب فضائات ابو العلاء المعري ساخرا
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة