| الاتجاة الانساني في الرواية العربية |
|
لماذا الاتجاه الإنساني؟ أو لماذا هذا الاتجاه متضمنا النزعة الإنسانية؟ الإجابة انه على الرغم من الأهمية القصوى له في هذا العالم.. فانه لم ينل اهتماما كبيرا على المستوى السياسي؛ وبالتبعية، لم ينل اهتماما كبيرا -أيضا- على المستوى الأدبي خاصة، والروائي منه على وجه الخصوص.. الأكثر من هذا ان عدم الاهتمام به بالقدر الكافي على المستوي الأدبي يعود -كما يتردد في كثير من المصادر حين أعلن نيتشة عن "افكاره الالحادية الصارمة" في القرن التاسع عشرثم جاء فوكو لكي ليعلن عن "موت الإنسان" في القرن العشرين- ورغم بعض التطورات الايجابية المبكرة في الغرب، فقد شهدنا رفض اخر عن مثل هذا الاتجاه الإنساني أو النزعة الإنسانية حين ردد التوسير من ان كتابات ماركس الأولى كانت مثإلية تدعو الاحترام جوهر إنساني الإنسان، خارج طار الثقافة والمجتمع والتاريخ، ومن انه يعارض ذلك المنهج، ومن ثم كانت دعوته إلى لفظ المصطلح، وقد اتبعه في ذلك عدد من النقاد.. -بيد اننا قبل ان نوغل أكثر وراء خطوط هذا الاتجاه/ الإنساني في الرواية العربية، نشدد على أمر له بداهته رغم أهميته، وهو اننا سنستخدم الاتجاه الإنساني في الإطار العام الذي ستتداعى خلفه القيم الإنسانية بشكل عام واهمها النزعة الإنسانيه.. وعلي هذا النحو، فان الاتجاه الإنساني بكل مايحمل من تفسيرات وتعبيرات يتضمن النزعة الإنساني ويعبر عنها.. ومنذ البداية فان الاتجاه يشير إلى خطوط عديدة -كما اشرنا- فهناك الاتجاه السلفي، والاتجاه الماركسي، والاتجاه القومي، والاتجاه الليبرإلي، واضيف إلى ذلك خطوط كثيرة عرفت في طبيعة (الكيف) الذي تكثفت فيه بالاتجاه سواء في الرواية أو النقد أو المسرح أو القصة إلى غير ذلك. ويجب ان نسارع بالقول هنا ان اهم ما يهمنا هنا هو الاقتراب من مفهوم الاتجاه من منظور علم النفس الاجتماعي في اطاره الابداعي فهو (موقف إدراكي انفعإلي متحفز للفعل نحو الأشياء والمواضيع الاجتماعية والمادية والنفسية، ويظهر هذا الموقف في مواجهة شيء أو شخص أو ظاهرة، أو موضوع، أو فكرة، وذلك عندما يبدي الفرد نحوها موقفاً إما سلبياً وإما إيجابياً، وإما محايداً" ويرتبط الاتجاه عند الفرد عادة بنزعة خالصة يقتنع بها، ويدافع عنها هذا مرده في السياق الاخير ذلك الاتجاه الذي يعمل من أجله وأي تغيير في هذه النزعة يؤدي إلى تغيير في إتجاه الفرد. والاتجاه لا يُعبّر عنه باللفظ الخارجي، بل بالموقف والسلوك الذي من خلاله يترجم الفرد اتجاهه الأدبي بشكل خاص. وثمة مقاربة بين بين الاتجاه والنزعة لا يمكن اغفالها هنا تتبدى في المواقف الشخصية أو الاجتماعية او السياسية أو الثقافية.. إلى غير ذلك من المجالات المختلفة في هذا الكون، وهو ما يتزايد ويتأكد في مجتمعات مثل مجتمعاتنا العربية التي تعاني من كثير من المعاناه والتطور والنقص والتحفز الذي عرفته بلادنا العربية منذ مجيء بونابرت وادي النيل، مما يشير ان الاحداث التي مرت بنا بلادنا -واغلبها تقفع في باب الميلودراما- تسهم في تكوين هذه الاتجاهات. بيد ان المفهوم يدفع بنا إلى التاريخ الفكري والعقيدي له قبل ان نصل إلى تطوره عبى الاتجاه الفني في الرواية العربية، واضعين في الانتباه -منذ البداية- هذه العلاقة الوثيقة بين الاتجاه كمنظور عام والنزعة كانعكاس للمنظور واضاءة له.. ان مراجعة الدرس الغربي في هذا يرينا ان عددا من الفلاسفة بل والادباء لم يكونوا على هذا الرأي في فترة تإلية خاصة حين راح عدد من فلاسفة أوروبا في عصر النهضة يتحدثون عن أهمية الإنسان وعظمة الإنسان ويدعون إلى تنمية القيم الإنسانية وتمجيدها (انظر: الحركة الإنسانية في عصر النهضة).. ومن هنا، بدا التحول في الاهتمام بهذا المصطلح ليس في الغرب وحسب بل وفي الشرق الإسلامي، حيث كان جوهر العقيدة الإسلامية -قبل هذا كله- تحث على حرية الإنسان والاعلاء من كرامته وإنسانيته. ان مراجعة الكتابات العربية في عصر النهضة العربية ترينا ان التطور الايجابي لفهم هذا المصطلح بدا في الصعود، وبدأنا نتعرف معه على تطوره الايجابي في مقاومة روح التقليد والسلطة والجمود، وسعى كتابنا -خاصة في الرواية والفن- إلى تحطيم القيود الغربية والتاكيد على روح الحرية الإنسانية في العصر الحديث.. والواقع ان العود أكثر للعقيدة الإسلامية يرينا ان النزعة الإنسانية بمعناها الشفيف قائمة في هذا الفكر ونصوصه الدينية والعرفانية خاصة. ولو أردنا اليوم وصف النزعة الإنسانية وكرامة الإنسان، فهل سيكون ثمة اجمل من ابيات جلال الدين الرومي التي انشدها قبل ثمانية قرون: الإنسان جوهر والكون عرضه. الكل فروع وظلال وانت الغرض والغاية تاج "كرمنا" يتلالا على مفرقك طوق "اعطيناك" معلق في عنقك فالبيت الأول مشتق من الآية "وسخر لكم ما في الارض جميعا" والبيت الثاني مقتبس من الاية "ولقد كرمنا بني آدم". ثم هل يوجد كلام اجمل من هذين البيتين في وصف الإنسان و بيان أصالته؟ ثم اننا لوعدنا إلى الشيخ محمود شبستري أحد كبار عرفاء القرن السابع الهجري لسمعناه يقول: صار العالم إنسانا والإنسان عالما مامن بيان أنقى واطهر من هذا البيان انت لباب العالم ومركزه اعلم نفسك روح العالم عالم العقل والروح رصيدك والارض والسماوات زينتك. ويلاحظ هنا انه في حين كانت النزعة الإنسانية قائمة في العقيدة والوعي الإسلامييين، فان الاضطراب في الفكر الغربي منذ فترة مبكرة انعكس على الفكر العربي في العصر الحديث، حتى ان الحديث عن كرامة الإنسان لدى الفلاسفة الغربيين لم يرتبط بحركة الاستعمار الغربي الذي كان قد خيم على المنطقة العربية الإسلامية، وهو ما دفع ادوارد سعيد ليقرركما "أنه يمكن الحفاظ على الإنسانية عبر شعور جماعاتي مشترك مع بحاثة آخرين ومجتمعات أخرى وعصور أخرى، إذ ليس من إنساني بعيد عن العالم. وكل مجال مرتبط بسائر المجالات كلها وما من شيء يحدث في العالم يمكن أن يبقى معزولاً وسليماً من كل التأثيرات الخارجية. فعلينا أن نتنأول موضوع المظالم والمعاناة، وإنما في إطار مندرج بشكل واسع في التاريخ والحضارة والواقع الاجتماعي الاقتصادي. وعلى هذا النحو، فقد بدا واضحا أن اهتمامنا بالنزعة الإنسانية كان يحيطه غموض كبير في التطور الفكري الحديث، خاصة، ان وعينا بالفكر الإسلامي الانساني فيجوهره لم يصل إلى درجة الانتباه الذي أوليناه للفكر الغربي.. وعلى هذا النحو، كان لابد هنا ان نحاول رصد الطريقة التي تعامل بها فكرنا، خاصة في النص الروائي مع هذه النزعة الإنسانية وكانت الصعوبات من جنس الواقع الفكري الذي عرفناه. |