مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

الأدب في مواجهة التعصب

فيصل دراجي

في كتاب متميز عنوانه: "المرايا المتجاورة"، كشف جابر عصفور عن تناقضات طه حسين في حقل الدراسات الأدبية، وعمل على تبرير التناقض وإقصاء السلب عنه. لم يصدر التبرير المفترض عن "عجز نظري"، إنما جاء عن هاجس ثقافي - أخلاقي يرى المثقف المستنير في مشروعه الإصلاحي، ويرى المشروع في اجتهادات فكرية متنوعة، تتآلف لحظة وتتناكر لحظة أخرى. غير ان عصفور، وهو يعكف على وضع كتاب في مئات الصفحات عن "عميد الأدب" كان يرمي إلى أمرين: دراسة متحزبة عن شخصية - مثال، سقط عليها القذى في زمن مهزوم، والانتساب الصريح إلى الاستنارة العربية، في وجهها الأكثر شجاعة واتساقاً.


ولعل منطق التنوير، الذي يحتفي بالحوار ونسبية المعرفة، هو ما أملى على عصفور لاحقاً أن يكتب "هوامش على دفتر التنوير"، مواجهاً زمناً أُتخم بالظلمة والتعصب، وأن يرفع صوتاً غاضباً في كتابه "ضد الإرهاب"، احتجاجاً على عقلية مغلقة، تكفّر الأدب والفن والاجتهاد وتنظر باحتقار معلن إلى جماليات الحياة البسيطة. وفي هذا السياق العجيب، الذي يُكفّر الجميل، ويُغدق على القبيح المترامي الثناء والتبريك، أعطى جابر عصفور كتابه الجديد "مواجهة الإرهاب قراءة في الأدب المعاصر"، متخذاً من النص الأدبي وسيلة جديدة، تكشف عن تعصب قاتل التبس بالمقدس وعن تعاليم مخترعة تسوق التجهيل وتهلك الأرواح. وبداهة فإن عصفور، وكما جاء "مفتتح" الكتاب، لا يتعامل مع النص الديني في ذاته، ولا يساءل الإيمان الديني ومعناه، بل يقرأ في النص الأدبي صور إيديولوجيا دينية قوامها الاختزال، حيث النص الديني يساوي قراءة متعصبة وحيدة، وحيث القراءة تساوي "قارئاً واحداً" يجسد الحق وتركن إليه الحقيقة.
في تصور تركيبي، غير مألوف كثيراً في الدراسات الأدبية العربية، ينجز جابر عصفور ثلاث قراءات متضافرة متكاملة: قراءة أولى ترى في النص أدبيّته، تحلل إشارته وحوامله ورموزه الأدبية، متوقفة أمام دلالة الزمان والمكان والشخصيات، مستنطقة الواضح والخبيء والظاهر والمستتر، ان لم تفصح عن المسكوت عنه، بلغة هذه الأيام، إذ في الوعد ما يكدر صفوه وإذا للوعيد الكسيح أجنحة تتهيأ للطيران. ومع ان جابر في دراساته المتعددة، أعطى البنية الروائية ما تستحقه من التأمل والتحليل، فإنه في كتابه الجديد يقدم تحليلاً ثرياً مشرقاً في أكثر من مكان (دراسته عن الزلزال للطاهر وطار). كأن التعامل مع النص كـ"وثيقة اجتماعية" أخذ بيده إلى موقع سعيد، يتكامل فيه التحليل الأدبي و"القراءة النظرية" بلا اضطراب. أما القراءة الثانية فتتجلى في قراءة "المعتقد المتعصب"، كما تنشره الوثيقة الأدبية.
لن يكتفي المؤلف، والحالة هذه، بقراءة متلعثمة مجزوءة لـ"شخصيات عصابية" وأقدارها، بل يقدم تحليلاً معمقاً للمفرد "المتعالي" الذي احتكر الحقيقة. وهــذا المــفرد يأخــذ بفصل باتر بين الحق والضلال، منصّــباً ذاته مرجعاً أعلى وحيداً، يُكفّر من يشاء ويرمي بالــبركة والرضا على من يشاء أيضاً. وبسبب الفصل الباتر بين حق مكتــمل تجـسد في "فئة صادقة" وضلال غير منقوص تشخصن في "فئة مارقة" يغدو الحوار هرطقة والاعتراف بالآخر مروقاً، ويذهب إلى "المؤمن" واجب تحرير "الأرض" من الضلالة والأرواح المرتـدة. يتكــشف "التــعصب المغالي"، دينياً كـان أو غيـر دينـي، نقيــضاً للمعرفة والديمقراطية ومبادئ المواطنة.
غير ان تحرير الأرض المفترض ينطوي على إعدام الفكر وتقويض المجتمع لا أكثر. تستبين القراءة الثالثة في تصور موضوعي لا يميل إلى المساومة ولا تروقه "العلمانية المجردة". فعلى خلاف بعض "الفيورباخيين" العرب، الذي يواجه الوعي المريض المعافى، كما لو كان في العقل تعصب مزاجي يستيقظ لحظة ويغفو أخرى، يصل جابر عصفور بين زوايا المثلث القاتل الموزع على: "الاستبداد والفساد والتطرف"، مؤكداً ان التجهيل الذي يلوذ بالمقدسات اثر اجتماعي قابل للتعيين صادر عن ممارسات سلطوية قابلة للتعيين أيضاً. فكل استبداد يحض على الفساد ويكاثر الفاسدين، وكل فساد مستبد يُفقر العقل والثقافة والأرواح، وكل فقر ثقافي واقتصادي وسياسي يستنبت الجهل والاجتهادات الجهولة، وصولاً إلى وجود اجتماعي سديمي ينفي معنى الوطن والمجتمع والدين المتسامح والتسامح الذي جاءت به الكتب السماوية والقرآن الكريم على الاخص. بهذا لمعنى يتكئ جابر عصفور على "الوثيقة الأدبية" ويعيد خلقها في آنٍ، كما لو كانت القراءة المبدعة كتابة أخرى للنص المقروء، تستوعبه وتحلل علاقاته وتضيف عليه أيضاً. فما هجس به الأديب ولم يحسن كتابته، كتبه الناقد واضحاً وأحسن كتابته.
تعامل جابر عصفور مع نصوص أدبية عربية متعددة، مبيناً ان "الإرهاب" يحوم بأقساط متماثلة فوق المجتمعات العربية، وبأن مثلث "الاستبداد والفساد والتطرف" لا يميز بين بلد عربي وآخر. وهذه "النصوص هي: "الزلزال" للجزائري الطاهر وطار، الذي جعل من الشيخ التقليدي للمرة الأولى بطلاً لرواية عربية، و"اقتلها" وهي قصة قصيرة ليوسف إدريس تنقل المجتمع المقموع إلى السجن وتحكي عن تحارب المقموعين، "المهدي" لعبد الحكيم قاسم، التي تلتقط الاستبداد في أكثر أشكاله عنفاً ولا معقولية، رواية "الأفيال" لفتحي غانم التي أبصرت "الإرهاب" بشكل مبكر لافت للنظر، أنطق عصفور هذه النصوص وأحسن إنطاقها، وذلك في عملية حوارية مثمرة، تستولد من النص الأدبي وثيقة اجتماعية خطيرة، وتضع في الوثيقة نصاً أدبياً جديداً، جلا النقاد معناه وأعاد ربط علاقاته.
اتكأ عصفور، وهو يواجه "الإرهاب"، على الرواية والمسرحية والقصة القصيرة والفيلم السينمائي والمسلسل التلفزيوني، من دون ان يمنعه هذا ان يصطفي الرواية مرجعاً أساسياً له. واختياره له ما يبرره، ذلك ان الرواية تلتقط المتغير والمتبدل وتقيس الزمن بالمتحولات التي وقعت فيه. غير ان ما ينصب الرواية وثيقة أدبية تواجه "الإرهاب"، هو تصورها الحداثي الشامل للحياة، الذي ينطوي على المدينة والمتعدد والحوار ونسبية المعرفة. كأن الرواية وهي تنصر الفضاء الاجتماعي الطليق تدافع عن شروط وجودها، مدركة ان لا ديمقراطية بلا رواية ولا رواية بلا ديمقراطية، وأن الاستبداد، مهما كان لونه، يئد الديمقراطية والرواية والمثقف الحديث الذي يقول بهما. وربما تكون هذه العلاقة بين الرواية والديمقراطية هي التي تضع على قلم جابر عصفور جملاً متأسية، ترى إلى زمن لم يأت بعد، أو جاء وقضى سريعاً. في كتابة جابر عصفور، كما في الموضوع الذي اختاره، ما يوقظ ذلك الأسى الشفيف الذي يلازم حسبان المثقف. لقد أراد الأدب، وفي جميع الأزمنة، ان يواجه الإرهاب، لكن السؤال البسيط الأسيان هو التالي: هل يستطيع الأدب العربي في هامشيته الهشة، أن يواجه "ارهاباً" تنتجه مراجع صلبة ومكينة وطيدة؟ هل قضى "الزلزال" على "أبي الأرواح"، المتعصب، أم ان العارف التقليدي زلزل غيره لاحقاً وهشم الأدب والأدباء وطاردهم داخل الجزائر وخارجها؟ ألم يربك الزلزال الجديد الطاهر وطار ذاته في "الشمعة والدهاليز" فدارى وجارى وشكى من ظلم الزمن واستضعاف الأدباء؟ وما الذي يفعله المثقف الحديث حينما يصبح زائداً على الحاجة، فلا السلطة تحبذ خطابه ولا الجمهور الذي لاذ بـ"مخزونه القديم" بحاجة إليه.
يقوم الأمر كله ربما في ذلك الفرق الباهظ بين المفيد والصحيح، إذ على المثقف ان يتمسك بما هو "صحيح"، معرضاً عن الفائدة والمفيد ناظراً إلى المحتمل. يرى المثقف ما يرى ويرى أكثر إلى المثال الأخلاقي الجميل، الذي لن يصافحه أبداً. في "مواجهة الإرهاب" يحدثنا جابر عصفور، بوضوح جميل، عن بطولة الحقيقة، ناشراً التفاؤل وروح المقاومة، ومشيراً، ربما، إلى مأساة الحقيقة، التي ان مدت عنقها قليلاً قطعت.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home ادب فضائات الأدب في مواجهة التعصب
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة