مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

اللغة العربية وتكنولوجيا المعلومات والاتصال

د. علي قاسم

الفجوة الرقمية:
ظهر مصطلح الفجوة الرقمية قبل أكثر من عشر سنوات، ويدل على الهوة الواسعة الفاصلة بين الدول المتقدِمة التي تمتلك تكنولوجيا المعلومات والاتصال لتوليد المعرفة واستغلالها ونشرها وبين الدول النامية (أي المتخلفة) التي لا تمتلكها. وتُصنف الدول العربية في خانة الدول النامية بامتياز.
ومنذ ظهور هذا المصطلح والمؤسسات العربية المختلفة تعقد المؤتمرات والندوات والاجتماعات لمناقشة جوانبه المتعددة واصدار التوصيات تلو التوصيات، أملا منها في تقليص الفجوة الرقمية والقبض على عوامل التنمية البشرية التي تطمح اليها. وفي حقيقة الأمر، لا يتوقف تحقيق التنمية البشرية على المؤتمرات والندوات والاجتماعات فقط،

وانما يتطلب، في الأساس، سياسات ترسيها الدولة وتلتزم بها وفي مقدمتها اشاعة ثقافة الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، وتبني استراتيجيات للنهوض بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات واستخدامها في التنمية، وتوفير البنية التحتية لها (مثل توفير الحواسيب والهواتف واستخدام الشابكة)، وبناء القدرات التقنية لدى المواطنين عن طريق التعليم والتدريب الجيدين، وايجاد اطار تشريعي وقانوني للتمكين من نقل التكنولوجيا الحديثة واستخدامها، والعمل على تطبيقها في القطاعين العام والخاص وفي التعليم والصحة والبيئة والزراعة والصناعة والخدمات.
اللغة والتنمية وتكنولوجيا المعلومات:
ويتساءل المرء: وما علاقة اللغة بالتنمية وبتكنولوجيا المعلومات والاتصال؟ ولماذا تسارع المجامع اللغوية العربية الى عقد المؤتمرات حول الموضوع؟
يكمن الجواب في النظريات الاقتصادية الحديثة التي تؤكد أن التنمية البشرية لم تعُد تتوقف على وجود مجتمع زراعي أو مجتمع صناعي، وانما على ايجاد مجتمع المعرفة الذي يمتلك المعلومات العلمية والتقنية ويوظفها في الانتاج والخدمات والادارة، فيمتاز بالتنويع الاقتصادي، وتتكاثر فيه فرص العمل، ويرتفع عنده دخل الفرد.
وتضطلع اللغة بوظيفة محورية في ايجاد مجتمع المعرفة، وذلك لأسباب ثلاثة: أولها أن تبادل المعلومات ونقل المعرفة بين أفراد المجتمع يتم بواسطة اللغة، تماما كما أن تبادل السلع والخدمات بين الأفراد يتم بواسطة العملة النقدية. وكلما كانت العملة موحدة جيدة ذات رصيد هام، أدت دورها بفاعلية ويسرت عملية التبادل. وثانيا، أن التعليم والتدريب اللذين يزودان الافراد بالمعرفة العلمية والتقنية من أجل أن يحولوها الى أفعال ومنتجات وخدمات، يحتاجان الى وسيلة تلقين. وتلك الوسيلة هي اللغة. وثالثا، أن العمل المشترك في مؤسسات الانتاج كالمزرعة والمصنع والمكتب يحتاج الى وسيلة تفاهم مشتركة، تلك هي اللغة. وأخيرا، فان جميع الأبحاث الرصينة تؤكد أن أساس التنمية قائم علي تعميم الثقافة العلمية والتقنية بين شرائح المجتمع كافة وعدم حصرها في فئة قليلة، وهذا لا يتم الا باللغة الوطنية. أما اذا استُخدِمت لغة أجنبية، فان المعرفة تبقى مقتصرة على نخبة صغيرة. (وننبه هنا الى أن ذلك لا يعني البتة عدم تعليم اللغات الأجنبية، بل ان اكتسابها ضرورة، بيد أن التعليم والبحث العلمي ينبغي أن يتما باللغة الوطنية لنشر المعرفة العلمية على أوسع نطاق).
معالجة اللغة العربية حاسوبياً:
الانطباع السائد هو أن معالجة اللغة العربية آليا في وضعية متردية، بسبب اصرار الحكومات العربية على استعمال لغات الاستعمار القديم كالانكليزية والفرنسية والايطالية في التعليم الجامعي والبحث العلمي (ومؤخرا سمحت بعض هذه الحكومات للمدارس الابتدائية الأهلية والخاصة بتعليم جميع المواد المدرسية بالانكليزية). ولكن المفاجأة التي حملتها بحوث مؤتمر مجمع اللغة العربية المختص هي أن معالجة النصوص العربية المكتوبة والمنطوقة بلغت مرحلة متقدمة.
فالعربية تمتلك مدونات حاسوبية عديدة تبلغ ذخيرتها مئات الملايين من الألفاظ، وتتوفر على مُحلِلات ومركِبات حاسوبية، صوتية وصرفية ودلالية، تستطيع استيعاب اللغة العربية، وتحليلها، واعادة انتاجها مكتوبة أو منطوقة (لفائدة المكفوفين والمعاقين سمعيا، مثلا)، وأن الترجمة الآلية من العربية واليها، تضاهي الترجمة الآلية للغات الأخرى. والمفاجأة الثانية التي تكشفت في المؤتمر، هي أن معظم بحوث معالجة العربية حاسوبيا لم تتم بتخطيط ودعم من المؤسسات أو الحكومات العربية، بل من طرف الشركات والحكومات الأجنبية.
 وهذا يتناقض مع توجهات بعض الدول الكبرى في تفتيت الأقطار العربية وتقسيمها والقضاء على العربية الفصيحة، بوصفها عاملا موحدا، واحلال اللهجات العامية مكانها. والدوافع لذلك هي تجارية وأمنية. فشركات انتاج الحواسيب والبرامج ومحركات البحث الأمريكية، مثل ميكروسوفت وغوغل وغيرهما، قامت بأبحاث هامة لانتاج نظم وبرامج تشغيل ومحركاتِ بحث باللغة العربية، والغرض تجاري بحت، أي تسويق منتجاتها في البلاد العربية.
كما أن الادارة الأمريكية خصصت أموالا طائلة لتطوير الترجمة الآلية من العربية الى الانكليزية لتسريع وتيرة فهم محتويات الوثائق العربية، لأسباب أمنية واستخباراتية.
وهذا يذكرنا باذاعات الأقطار العربية وفضائياتها التي تبث معظم برامجها باللهجات العامية، على حين تلتزم الاذاعات العربية في اوروبا وأمريكا ببث جميع برامجها باللغة العربية الفصيحة، لأسباب تداولية عملية. ومع ذلك، ينبغي أن لا ننسى جهود بعض الشركات العربية في تطوير معالجة العربية حاسوبيا، مثل شركة صخر لصاحبها محمد الشارخ في الكويت والقاهرة، وشركة عدنان عيدان وبرنامج المسبار للترجمة الآلية في لندن، ومؤسسة الهندسة اللغوية في القاهرة لصاحبها العالِم نبيل علي الذي ألقى المحاضرة الافتتاحية في المؤتمر.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home ادب فضائات اللغة العربية وتكنولوجيا المعلومات والاتصال
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة