مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

دوائر عـبر خـــط مســـــتقيم

نادية خلف

ربما لم تكن هي حياتي التي أفكر بها أنا لا أتذكرها كثيراً كأن شيئاً أتى عليها فأنساني أغلبها. كل ما أعرفه أنني أجيد القراءة. الكتابة. أحاول تسجيل الذكريات على دفتري. أقرأ ما كتبت. أجد أنني أكرره. أسأل نفسي: لماذا لم تعد معلوماتي تشعرني بالحداثة؟ أصبحت معادة، فإلى متى سأبقى أكتب عن الشفق والغسق. عن جبال الذهب، وأنهار الفضة. لابد لي من التوقف في محطة. لا يحق لي أن أستيقظ كل يوم، وأنا أتمتم بلغة غير لغتي. دونتها على دفتري. أخذتها إلى مدرستي عندما كنت طفلة قالوا: إنها لغة قديمة جداً لا أحد يعرف أن يفك رموزها غيري. يا إلهي أنا مفتاح تلك الرموز. لم أستعملها إلا عندما أكون نائمة وأصحو وأنا أقرأ دروساً بها، فهل هذه الدروس من الماضي أيضاً؟ كلما تكلمت بها أشعر أنني في أسير عبر خط طويل لا أستطيع اختراق جدرانه الحلزونية. مازلت في قعره من جهة الشرق. أنا الآن في القاع، وريثما أصعد علي أن ألتف مع كل تلك الدوائر. أنا لا أحب الالتفاف، ولا حتى دراسة الدائرة والخط المنحني والمستقيم. لغة معقدة لا أفهمها.


أنا في القاع من الجهة الشرقية أحاول التذكر. أتذكر كل شيء، وعندما يكون في غاية الوضوح أمامي أنساه. مع هذا لا أعبأ بهذا النسيان. أحياناً أتدثر بغطاء فوق ثيابي. أخفي وجهي ضمنه، وأذهب مشياً على الأقدام دون أن أفكر في العاقبة. كوني لا أتذكر المعالم كثيراً. أخبئ نفسي في ذاك الغطاء كي لا يعرفني أحد، وكأن الناس تعرفني هنا! فأنا لا أتذكرهم ولا يتذكرونني. بل ينظرون إلى ثيابي البالية باستغراب. كلهم هنا نظيفو الثياب والوجه. فيهم جمال أكثر مما أراه فينا.
دائماً رحلاتي متعبة ترهق الذهن، وبخاصة رحلتي هذه التي ندمت على القيام بها لأنني مازلت عالقة في مكان ما من هذا الطريق المستقيم، ومهما اخترقت دوائره يبدو لي كالمتاهة. إنني حزينة. الجميع الآن يسألون عني. لقد أصبحت أسبب لهم الألم عندما ألجأ إلى حريتي في القرار، ويتعقبونني خوفاً علي. أراهم ولا يرونني وكأنني لص يخاف أن يقبض عليه شرطي.
عندما أكون في الأسفل أشعر بشعور سيء. فأركض باتجاه السطح. تتسمر قدماي في المكان، ولا أستطيع حتى المشي. لكن لابد أن أتابع. بالمشي أو الزحف أو الركض. وحتى أتابع سأتخلص من كل أحمالي. سأرميها خارج هذا الخط الذي علي اجتيازه، وبخاصة دفاتري القديمة، فليس فيها شيء يستحق الذكر ولا قيمة لها. عندما قرأتها شعرت بالملل الشديد. لم أعرف أنني أنا التي كتبت كل تلك الترهات.
الآن أرميها أصرخ بها. كوني أيتها الأوراق هباء. لم تشكلي لي شيئاً في حياتي الماضية. أسمع صوتها عندما تصطدم. أشعر بالسعادة لأنني رميتها. أصبحت حركتي أفضل الآن. قاربت من الوصول إلى النهاية. ألمح النور. يغمرني شعور بالأمان. شعور داخلي عميق. أشعر أنني بدأت رحلتي من جديد في عالم مملوء بالسعادة. لكن ما زالت ثيابي ثقيلة علي. لابد أن أرميها هي الأخرى. هي أصلاً بالية لا تعجبني. سأخلعها الآن وأرميها. لكنني أخشى أن يراني أحد ما، ومن سيراني في هذه الظلمة. ها قد خلعتها ورميتها. أنا أسرع الآن. قد أصل بعد قليل. لم يعد لدي شيء أرميه. مازلت أشعر بثقل يمنعني من التقدم. لابد أن أصل إلى النور. أرى جسدي يثقل علي. سأرميه هو الآخر. تركته يتساقط إلى العمق وسرت باتجاه الضوء. نعم لقد اجتزت الرحلة بنجاح.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home ادب فضائات دوائر عـبر خـــط مســـــتقيم
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة