| دون سبب داهمتني السعادة |
|
|
|
|
رمضان إبراهيم صباحا ً وأنا أتوجه إلى عملي، لا أعلم، لماذا هبطت عليّ فسحة السعادة، وكللتني، حتى خلتُ نفسيَ أطير. كل حواسي تضحك.. هكذا، بعد عبور أول جمال، ورائحة عطور الزهور. لازمتني فسحة السعادة هذه، حتى وأنا أدخل مكتبي. حدّقت بأزرار الهاتف.. لكنّه لم يرن! لا أحد! لاشيء. ذهبت إلى مكتبٍ مجاور، حيث يجلس صديقي على كرسي من البلاستيك، يلهو بشعره حلاقٌ طويل القامة، أصفر الوجه، بعيونٍ ذابلة. بدأتُ كعادتي، أستحضر المزاح الذي اعتاد عليه صديقي عند لقائنا كل صباح، إلى أن جاءه أحد الضيوف، وعرّفه عن نفسه، إنه (المفتش).
لا أعلم لماذا تذكرت تلك الحادثة، وبدأتُ بتخيّل فصولها، والمواقف اللعينة التي ألمّت بي يومها! نهضت فوراً، دون أن استأذن, بعد أن سألت صديقي، إن كان سيتناول طعام الإفطار معي، وخرجت دون أن أعود إلى مكتبي. لحظات قليلة، وأنا هائم على وجهي. أفكر في وجهةٍ قد تريحني مما أنا فيه من اضطراب! لا أعلم، لماذا دهمت تلك الحادثة ذاكرتي الآن، بالرغم من تراكم الغبار على فصولها.. ولكن.. لماذا أنا بهذه الحيرة اللعينة؟! ما هذا الخوف الذي يعتريك أيها القلب الأرنب؟! صعدت ُ الدرج، دخلت أحد المكاتب، فثمة صديقٌ آخر لي كان هناك. وجدته جالساًوراء مكتبه، بيده قلمٌ يؤشر به على بعض الفقرات الهامة. أحضر لي كأساً من الشاي، جلستُ أتفحّص الجريدة، مددتُ يدي لتناول الكأس، لكنه سقط فجأة على الأرض، وانكسر. زاد ذلك من ارتباكي، وخوفي دون أي سبب واضح! سألني صديقي: ما بك؟! ما سرّ هذا الارتباك؟ ابتسمت محاولاً التهرب من الإجابة، فيما كان يحضر لي كأساً آخر. جهازي الخليوي يرنّ بإصرار، إنه صديقي الذي كان يحلق شعره. - ماذا تريد؟ - عليك أن تأتي فوراً. - قلتُ مرتبكاً: أين؟ - قال: في المكتب، نحن بانتظارك، لا تتأخر. ارتجفت يدي، كادت الكأس تسقط ثانية. احتقن وجهي، أحسستُ أن الماء قد توقف في حنجرتي.. يا إلهي! أكاد أختنق! سحابة السعادة تغادرني رويدا ً رويداً. أدركت ُ أن هناك خطراً ما ينتظرني، تذكرتُ والدتي، التي تردد بعد كل ضحكٍ- الله يعطينا خير هذا الضحك- أيُعقل أن يكون ذلك الشخص قد أتى للقبض علي؟ هكذا بلا سبب!؟ أنا لم أفعل شيئا، كل ما في الأمر، أنني تأخرت خمس دقائق، ثم، أنا لست الوحيد الذي يتأخر بسبب الازدحام! لاحظ صديقي هذياني فسألني بشيء من الدهشة: هل ثمة مكروه لا سمح الله!؟ - لا.. لا.. انتظرني سأعود.. وبشيء من الدعابة المصطنعة قلت له: سأعود بعد ساعة، أو يوم، أو شهر، أو سنة... دع هذه الكأس في مكانها بانتظاري، وخرجت. الأفكار تأخذني في كل الاتجاهات، بدأتُ أسترجع تصرفاتي: لم أتورط في أي حديث مع أي شخص! لم أضرب! لم أقتل! لم أزن!! لم أسرق!! بدأت ُ بتعداد المحرمات، إلى أن وصلتُ حائطٍاً مسدوداً، حينها، أدركتُ كم أنا مرتبك. لا وجود للسعادة، في أي خلية من خلايا جسدي، كلها ترتعش وتضطرب. أكاد أسمع خفقات قلبي، لمَ هذا الارتباك؟ لماذا لم تعد قدماي قادرتين على حمل هذا الجسد الخائف؟! وجدت ُ نفسي أمام باب المكتب الذي يضم الجميع، المفتش وصديقي الذي طلبني. فتحت ُ الباب، دخلتُ.. ما هذا الذي على الطاولة؟ - إنّه طعام الفطور! هيا نحن بانتظارك، لم تأخرت؟ |