مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

دكتوراه عراقية للوجاهة PDF طباعة أرسل لصديقك
حسين الجوراني

اخبر منذ البداية من يشاء قراءة هذه الكلمات ان الدافع الرئيس لها برنامج حول تاريخ العراق الحديث على احدى الفضائيات التي انتشرت كالفطر في بلادنا. يخص الحديث مرحلة مهمة من مراحل تكوين العراق وهي مرحلة حديثة ما تزال احداثها طرية في اذهان الكثير من الناس كما انها محل اهتمام الصحافة والاعلام العراقي والمثقفين ورجل الشارع. تملكني الفضول ان استمع لما يدور من نقاش بين شخصين يحمل كل منهما شهادة الدكتوراه في التاريخ. ورغم ابتعادي في الفترة الاخيرة عن مشاهدة التلفاز الا ان موضوع الحلقة يغري بحد ذاته بالمتابعة. فبعد اكثر من اربعين دقيقة من المشاهدة تملكني العجب والاستغراب فلم استفد من المشاهدة والتحليل والمعلومات أي شيء. وما كنت امتلكه من معلومات حول هذه الحادثة والتي لا اريد ان اسميها كي لا يتحول الامر تشهيرا باسماء معينة قد تعرضت للتشويش بفعل الطريقة التي تحدث بها الضيفان.
من الملاحظات الاخرى حول هذه الحلقة» وغيرها» ان استاذا يحمل درجة الدكتوراه ويتحدث في مجال اختصاصه ولا يستطيع بنفس الوقت ان يؤلف جملا واضحة ومتناسقة ودالة. ولعمري اتساءل من يحدد حدود هذه المصيبة أي مصيبة الدكاتره الذين لا يستطيعون الحديث في اختصاصهم مدة خمس دقائق بطريقة مفهومة ولا نقول قوية ومعبرة. اسر لي احد الاخوة العاملين في اعداد البرامج التلفازية والاذاعية انه لشد ما عانى حرجا من ضيوفه الذين يستهلكون عشرة اسئلة في اقل من عشر دقائق. فهم يجيبون على السؤال بنعم او بلا يعجزهم عن التوضيح والشرح قلة المعلومات وضعف امكانيتهم وعدتهم المعرفية واللغوية. وقد ذكر لي نفس المعد انه غالبا ما يلجا الى تحضير اسئلة احتياطية كي ينهي بها وقت البرنامج الذي يقل عن اربعين دقيقة بوجود محاورين اثنين.

( ظاهرة عالمية )
 اعلم ان الحديث عن ضعف اصحاب الشهادات ظاهرة عالمية تشمل دولا راسخة في مجال التعليم العالي وقد كتبت بذلك الصحف الانكليزية مؤخرا واعتبرت  مستوى بعض اساتذة الجامعات هناك كارثيا. بل والانكى من كل ذلك فان جامعات بعينها في فرنسا وهولندا والدنمارك وحتى المانيا تمنح شهادات بتساهل كبير وهذه المعلومات جاءت من اطراف مسؤولة في الاتحاد الاوربي وليس معلومات او شائعات دعائية . لكن الامر مختلف في الجول العربية» والعراق» بسبب اتساع الظاهرة وشمولها مجالات لا يمكن التساهل فيها مثل الاختصاصات العلمية كالطب والهندسة. فلماذا يعاني العراق ازمة في الاطباء والصحة العامة مع وجود اكثر من 200 خريج سنويا « قد يصل الى 500» طبيب في مختلف الكليات الطبية التابعة للجامعات العربية.
   من الصعوبة اليوم على أي مريض عراقي ان يستشفي لدى طبيب خريج حديثا الا من رحم ربي. هذا على الرغم من سهولة الحصول على المعرفة العلمية والامكانات التي يسرها الله حديثا لكل العاملين في المجالات العلمية فالجامعات الغربية تجري عمليات مفتوحة على الانترنت كما ان البحوث العلمية للاساتذة المبرزين في هذه الجامعات منشورة على مواقعهم هي الاخرى فلا تكلف سفرا ولا اموالا ولا وقتا.
انه واقع ماساوي ومحبط عندما يذهب الاف العراقيين للاستشفاء لدى دول الجوار التي كان افرادها ومواطنوها يستشفون في العراق منذ الخمسينيات.

حمى الشهادات العليا
  بعد سقوط النظام المقبور عادت الروح الى قيمة الشهادات العلمية في البلاد وهو امر مفرح ويفتح الطريق امام مستقبل زاهر للبلاد.
 الا ان لكل شيء ثمنه وثمن هذا التحول هو الفوضى في مجال منح الشهادات العليا على وجه الاخص في الجامعات العراقية. واذا كنا قبلا نخص بالذكر الشهادات الجامعية العليا في الاختصاصات الانسانية فان العدوى قد سرت الى التخصصات العلمية وهو امر في غاية الخطورة اذ يتعلق بحياة الناس مباشرة.
في اخر احصائية نشرت في مصر وهي ليست تخمينية ذهبت الى ان اكثر من ثلثي الاساتذة الجامعيين من ذوي الشهادات العليا ليسو مؤهلين بما فيه الكفاية للحصول على هذا اللقب. وقد حددت الاحصائية الفترة من 1990 حتى اليوم كاسوا فترة لتدهور التعليم الجامعي وقيمة الشهادة العليا. وعلى الرغم من عدم توافر احصاءات في العراق ولا معايير للحكم على كفاءة الحاصلين على الشهادات الجامعية العليا فان الواضح ان ذات المعايير «المصرية» تنطبق على نظيرتها العراقية او اكثر.
لقد فتحت هذه المشكلة بابا جديدا من التشكيك يضاف الى التشكيك السياسي والطائفي في المجتمع العراقي الذي يعاني ازمة التحول هذه الايام. لقد امتلات اجواء العراق بالشك في كل شئ وهذا امر خطير يضعف ثقة الناس بعضهم بالبعض وثقتهم بالدولة وبالحكومة التي تعبر لاول مرة في العراق عن ارادة شعبية حقيقية لا يليق ان تلاحقها الشكوك منذ البداية وهي في الطريق الى بناء امة عراقية على انقاض الخراب الذي خلفه العثمانيون وورثتهم.
لا يمكن لاح دان يدعي على ايجاد حلول سريعة لمشكلة فقدان معايير منح الشهادات العليا في العراق اذ انها تمثل جزءا من ازمة الوجود العام في العراق والفوضى التي سادت وكان قد اسس لها النظام المقبور. فقد كان هذا النظام يمنح الشهادات لعملائه وضباطه والذين يتلصصون على الناس وهذا امر معروف ومكشوف لكنه هو الذي اسس لهذا الخراب المريع.
يعد الخريج العراقي قبلة انظار الجامعات العربية وحتى  الغربية قبل هذا الخراب الذي صممه وهندسه ونجح فيه النظام الفاشي المقبور. ورغم كل ما يقال حول ظروف الانفلات في العراق فان الاجهزة الرقابية في البلاد في طريقها لان تفرض حضورها القانوني على الجميع لكن وقبل كل ذلك لابد ان يتم فرض معايير اخلاقية من علماء الدين خاصة في اعتبار «التساهل» او منح شهادات جامعية لغير المستحقين يمثل مفسدة قد ينطبق عليها حد الحرابة لانها تضر بشكل مستمر ومؤبد بالصالح العام.
 

التوقيت


انت الان هنا  : Home عراقيات دكتوراه عراقية للوجاهة
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة