| رجـــل الســـــلطة ورجـــل الـدولــة |
|
|
|
|
المحامي عبد الوهاب العاني تعاني الثقافة السياسية في العراق مشكلات استمرت معها منذ تشكيل الدولة العراقية حتى اليوم. ويمكن ان يكون تاريخ هذه المشكلات سابقا حتى على تشكيل الدولة العراقية الحديثة. ومن مظاهر هذه الأزمة على المستوى المعرفي والثقافي عملية الخلط بين السلطة والدولة. فكثيرا ما "يتورط" مثقفون أو أكاديميون أو حتى سياسيون في عملية الخلط "اللاشعورية" هذه. ان ذلك معناه توقف الوعي السياسي عند العراقيين لدى نقطة تشبه نقطة الصفر. حدود الدولة وحدود السلطة بالتعريف الإجرائي والتاريخي فان الدولة هي كيان قانوني يشتمل على عناصر هي: 1. الأرض "أي الإقليم". 2. وجود مجموعة بشرية تسكن هذا الإقليم. 3. توفر هذه الجماعة على عوامل تشدها إلى بعضها مثل اللغة أو التاريخ أو الدين أو الآمال المشتركة. أما السلطة فتمثل اتفاق هؤلاء السكان في الإقليم على من يقودهم سواء باتفاقهم بعملية ديمقراطية أو حتى باغتصاب السلطة بطريقة ما. ورب سائل يسال كيف يمكن لنا ان نصنف اغتصاب السلطة باعتباره أيضا علامة من علامات الفصل بين السلطة والدولة؟ ان الجواب على هذا السؤال يتعلق خاصة بالثقافة والتفكير الذي يفصل داخل حدود هذه الثقافة بين الدولة والسلطة حتى لو كانت مغتصبة. ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة من التاريخ الأوروبي. فبعد سيطرة روما على أثينا ودخول الأولى الدين المسيحي برزت إلى السطح إشكالية الدين والدولة أو ما سمي بعد ذلك بمشكلة القياصرة والبابوات. ورغم ان الإسلام لم يعرف هذا اللون من الصراع حيث لا وجود لطبقة رجال الدين في النصوص المقدسة إلا ان هذا الصراع كان لصالح الثقافة السياسية العامة التي استطاعت من خلال هذا الصراع التمييز بين السلطة وبين الدولة. فقد تنازع البابوات والقياصرة على الدولة على أوسع نطاق ممكن. وشهدت مراحل الصراع بينهما فترات من المد والجزر. وفي اعلي مراحل المد احتاج القياصرة والأمراء إلى البابوات للحصول على شرعيتهم. وبعد تقويض سلطة الكنيسة شيئا فشيئا ابتداء من القرن الرابع عشر احتاج البابوات إلى "عطف" القياصرة ومجمل طبقة الحكم القديمة "الإقطاعية" أو الجديدية التي نشأت على أنقاض ذلك الإقطاع. أما في الإسلام فان ما يمكن ان يكون نقطة قوة للمسلمين تحول إلى نقطة ضعف بفعل ضعف قراءة المسلمين لإسلامهم وتشبثهم بأفكار وتصورات بعيدة عن جوهر الدين الإسلامي. أما السائل الذي يسال عما يحدد جوهر الدين الإسلامي فان الجواب واضح رغم ما يلف جوانبه من غموض "متعمد". ان الذي يحدد جوهر الدين الإسلامي هو النصوص الشرعية المقدسة المعروفة من جهة ونظرية المصلحة المرتبطة بهذه النصوص من جهة أخرى. وإذا كان هذا الكلام يمثل بعض الصعوبة لدى القليل من القراء فان تبسيطه يمكن ان يكون بالشكل التالي: لدينا في الإسلام نصوص نعتمدها بالتشريع واستنباط الأحكام يتفق المسلمون على القرآن الكريم والسنة النبوية ويختلفون على بعض مصادر التشريع الأخرى مثل حجية الإجماع أو قول الصحابي أو معايير الصحابي وغيرها. ولكن العموم هو اتفاق المسلمين على أهم مصدرين من مصادر التشريع باتفاق جميع الأطراف. ان هذه المصادر ثابتة رغم ان فهمها متحرك بتحول الظروف الحياتية كما فصل في ذلك المرجع الكبير الراحل محمد حسين فضل الله. وإزاء قطعية الصدور عن هذه المصادر وظنية بعض أحكامها فان التعويل على مبدأ المصلحة باستنطاق النصوص هو الذي يجعل لهذه النصوص قدرة على العيش ومعاصرة أحداث الحياة وخدمة الدين والدنيا معا. واستنادا إلى هذا الفهم فان الدولة في الإسلام كيان قانوني كما قلنا يضم الإقليم وكل القاطنين فيه على اختلاف دياناتهم ومللهم ونحلهم. ويمكن التمييز بسهولة في نصوص السلطة والدولة خاصة في القرآن الكريم في الآيات التي قدمت وصفا مذموما لقارون وفرعون وهامان وبقية المتسلطين لفصلهم عن الدولة وحصرهم في السلطة. وعلى الرغم من عدم شيوع ظاهر الفصل بين المفهومين في الثقافات القديمة إلا انه واضح في التوصيفات التي احتواها القران الكريم إزاء المسالة. رجل السلطة ورجل الدولة يتميز رجل السلطة بنظرته إلى الدولة كحيز مادي نفعي تدور حوله مجموعة من المصالح. فيما ينظر رجل الدولة إليها باعتبارها كيانا قانونيا أخلاقيا يترتب على استغلالها إثما ومفسدة عظيمة. وقد وصف أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام أزمة العلاقة بين السلطة والدولة في خلافته الصعبة والتي تعد رغم صعوبة ظروفها أكثر فترات العدل التي شهدتها حكومات العالم حتى هذه الساعة. يصف أمير المؤمنين عليه السلام السلطة بأنها "مثل راكب الصعبة" والصعبة هي الفرس الجامحة التي لا يستقر راكبها على قرار لجموحها وقوة نزقها وشراستها. ويعتمد الفقه السياسي الحديث على مفهوم "الكرة الزئبقية". ويرتبط هذا المفهوم بطريقة مذهلة بوصف الإمام علي للسلطة راكب الصعبة. فالكرة الزئبقية لا تثبت ولا تستقر لدى من يحاول اللعب بها أو مداعبتها. أما الفرق الآخر بين رجل السلطة ورجل الدولة فان رجل السلطة ليس متجذرا في تاريخ البلاد التي وصل إلى الحكم فيها بطريقة ما من الطرق. فيما يملك رجل الدولة هذا التأصيل الذي نطلق عليه في العراق اسم "ملح الأرض". فرجل الدولة مملوح بالأرض وشارب من مياهها ومتمثل لطموحها وناظر إلى مستقبلها. أما رجل السلطة فيدور حيث تدور المغانم والمصالح ويبحث دائما عن أكلة الكتف!. ومن النماذج البارزة في التاريخ العراقي والعربي القديم قصة المروق الذي مارسه معاوية أيام خلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام. فقد مثل معاوية بامتياز أسوأ أنواع رجل السلطة في التاريخ العربي. ولا خلاف بين المسلمين أو غيرهم ان الإمام علي (ع) مثل وبسطوع مذهل قمة أخلاق ومعاني رجل الدولة. وفي تاريخ العراق الحديث ومن ضمن نماذج أخرى كثيرة برز نموذج المقبور صدام حسين كأسوأ درجات النظرة السفلية إلى السلطة في العراق. ويعد هذا المقبور الأخير نموذجا "متكاملا" لنظرية رجل السلطة في التاريخ العراقي ويمكن ان يدرج ضمن قلائل مثلوا أسوأ أنواع الاستئثار بالسلطة إلى الدرجة التي مزقت بها الدولة وأضاعت هيبتها وكرامتها. والسؤال اليوم عن الحدود بين فكر السلطة وأخلاق الدولة لدى السياسيين العراقيين في السلطة. فمن المؤكد ان هؤلاء السياسيين ينتمي بعضهم إلى المدرسة الصدامية الاستحواذية أي نظرية السلطة المحضة التي تحوي أخلاق السلطة المحضة أيضا. فيما ينتمي القسم الآخر إلى أخلاق الدولة بما تعنيه من قيمة أخلاقية راكزة بالنفس لتقديم خدمة عامة تتناغم أو تصدر عن رغبة دينية عميقة وصادقة برضى الله أو بضمير وطني قادر على تجاوز المغانم والمكاسب لصالح الدولة أي الخدمة العامة. ويبدو ان الصراع بين المدرستين هو الذي يقرر مستقبل العراق في الأمد القريب والمتوسط والبعيد. ورغم ان الارجحية في ظروف العراق المعاصر تميل لصالح رجال الدولة بحكم عوامل وظروف عديدة اخصها بلوغ الاستبداد ونظرية شراهة السلطة إلى مستوى من الضعف غير مسبوق على مستوى العالم كله، أقول رغم كل هذه المرجحات فان حسم القضية لصالح رجال الدولة في العراق بحاجة إلى مشاركة شعبية واسعة. والخوف ان تتحول هذه المشاركة إلى استعادة بعض صور العمل الشعبي المنتج للفوضى الذي شهدته أيام المد الأحمر أو سلطة القومجية منذ أربعينيات القرن الماضي. ان تجنب هذا المسار مرتبط بنوع العلاقة بين الثقافة والسياسة في العراق وان السياسي الذهبي القادر على تأكيد سلطة الدولة أخلاقيا هو السياسي المثقف دينيا ووطنيا. وليس صعبا لدى الجمهور العراقي تأشير هذا النوع من السياسيين والعمل معهم بما يقتضي الشرع والوطنية.
|