مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

حزن العراقيين الأسطوري PDF طباعة أرسل لصديقك

علي السعدي

تقول أسطورة بابلية، أن صفصافة على نهر الفرات- المشهور بمزاجيته- اشتكت لعشتار يوماً ما تعانيه من نزقه وطيشه، فرقّت لها عشتار ونقلتها إلى بستانها المقدس- ولم تكن عشتار حينها قد أطلقت غناءها الحزين- وهناك عشش في أعاليها النسر المقدس وسكنها ثعبان النقمة كما نصبت الجنية الراقصة خيمة سكناها.
لم تحتمل الصفصافة آلامها الجديدة، فسكبت دموعها بين يدي جلجامش -الذي لم يكن قبلها يعرف البكاء-، فقتل جلجامش النسر والثعبان وأسر الجنية الراقصة، لكنه قطع الصفصافة ليصنع من جذعها عصا لفأسه التي تزن خمسين مناً.

بعد زمن، كانت عشتار تنشد أول أناشيد الحزن ألماً لفقد تموز فأثقلت الأرض وأرقت السماء حد مشاركتها النواح لتتحول حبات المطر أردية حزن دثرت الروح العراقية وتزينت بها "إيه أيها المطر، إن كنت حزيناً حقاً فلا تبلل المعاطف حدّ الحمى" وليخاطب السياب فتاته الأولى "أتعلمين أي حزن يبعث المطر- وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر" وكان جلجلمش المنيع يواجه الألم لأول مرة عندما تفسخت بين يديه جثة إنكيدو الجبار ثم بعدها حين لم يستطع نيل الخلود.
تلك هي الأرض التي لا تطرح أشجارها ثمراً إلا إذا سقيت من منابع الحزن ولا تجري أنهارها إلا في أودية حزينة، وقيل حتى عصافيرها لا تغرد إن لم يتلبسها وجع دفين، مزاريب بيوتها نفوس ناشجة وسماؤها "تسح ما تسح من دموعها الثقال"، إذا مسحت عن العراقي غبار حزنه فأنك تخدش روحه بدل جلوها، ذلك لأن الحزن هو رافد ثالث تجسد نفساً حيث إمتزجت أوردة الماء بعروق التراب فأنجبت نخلة وهبت العراقي ملامح وجهها وإخضرار ظفائرها وصعوبة مرتقاها.
أهي أرض اللوعة؟ تساءل صديق، فمنذ أن تحدى النمرود إرادة الله، مذ بنى جبلاً ليصل السماء، ونسله لم ينقطع، فلكل زمن عراقي نمروده “يعيث فساداً في أرض، تسامح، نعم، لكنها لا تنسى، فذاكرتها خصبة وخيالها نضر، حزينة أبداً، لكنها كذلك تجيد الابتسام وتعشق الحياة، ألم يصنع ابن رحمها "نوح النبي" (ع) فلكه من أخشاب أشجارها؟ أليس للعراقي دين كبير في عنق الحياة؟ فلما أنكرته ووشمت روحه بجرح عميق أبدي النزف؟
يقال عن طائر التمّ، الذي ألف له الموسيقار الروسي الشهير تشايكوفسكي رائعته "بحيرة البجع"، أنه حين يحس بدنو أجله يرتقي تلة الرمل ويرتل أغنيته الأولى والأخيرة ويموت... فهل نعجب بعد ذلك إن عرفنا أن التمّ ما هو إلا الإوز العراقي؟؟؟

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home عراقيات حزن العراقيين الأسطوري
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة