مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

تحديات الفضاء المفتوح PDF طباعة أرسل لصديقك

 عمر محيى

تتميز الحضارة العربية الاسلامية بقدريتها على الاستمرار في التاريخ. ومعنى ذلك ان الاسلام بخلاف بقية العقائد والديانات استمر بقوته التشريعية وتمكنه من توجيه المؤمنين به فترة اطول من كل العقائد والديانات التي عرفها الانسان في تاريخه. وخلال هذه الفترة الممتدة منذ نزول الوحي المقدس حتى هذه الساعة واجهت الحضارة الاسلامية عدة تحديات نجحت في التغلب على قسم منها واخفقت في التعامل مع القسم الاخر.

فاذا نظرنا مثلا الى التحديات التي فشل فيها الفكر الاسلامي فسوف يقف في المقدمة منها المشكلة السياسية والطريقة التي تم خلالها حكم المسلمين وما ترتب على ذلك من نتائج واثار. اما التحدي الاخر الذي فشل فيه الفكر الاسلامي فقد جاء في مرحلة حساسة عند بلوغ الحضارة الاسلامية مجدها اثناء حكم العباسيين. في هذا العصر تحولت المدن الاسلامية الرئيسة الى ساحات للاتجار بالجواري واستجاب الفقه الاسلامي لهذه التجارة بطريقة الامر الواقع. ونشات اثر ذلك اخلاق جنسية سيئة ونظرة الى المراة على غير ما حدده الشارع الشريف والسيرة العطرة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واهل بيته (عليهم السلام).
واليوم يقرا ابناؤنا في المدارس عن اسماء لجوار او خليلات على غرار ما يقدم في هوليوود من تهتك اخلاقي لم يفلح العقل الاسلامي حينها في التعامل معه. ان المقصود بالنجاح هنا ليس الاعتماد فقط على الناحية السلبية اي المنع والتجريم وانما البحث عن البدائل التي لا تخالف الطبيعة البشرية وتلتقي في النهاية مع اصول التشريع والعقيدة الاسلامية.
لكن الذي حدث اواخر ايام الامويين وفي الحضارة العباسية مزيج من التقوى الشكلية لدى فقهاء السلطة والتهتك العميق في النسيج الاجتماعي المنفلت عن عقال المنظومة الفقهية الرسمية.
أكثر من الف ليلة وليلة
لم تات حكايات واحداث الف ليلة وليلة من فراغ. وبغض النظر عن بهض المبالغات او الغرائبيات التي تحويها هذه الحكايات والقصص فان اجواءها تنتمي في اغلبها الى البيئة الاسلامية خاصة في مدينتي بغداد والقاهرة. واريد ان اصل من كل ذلك الى ان تحدي الاخلاق الجنسية وتنظيم هذه العملية الحيوية تمت مواجهته بطريقتين. الاولى هي الطريقة الرسمية واعني بها تشريعات السلطة وتقنين الفقهاء. فقد اعتمدت هذه المنظومة بكلا طرفيها على التشدد وسياسة المنع الظاهر. اما ما يجري داخل قصور السلاطين والحكام فلا حاجة لذكر تفاصيله فقد تكفلت به الف ليلة وليلة وكذلك قصور اخر سلاطين بني عثمان الوريث غير الشرعي لـ"سنن الخلافة" العباسية والاموية. اما الثانية فهي الطريقة الواقعية او الشعبية وقد انغمست في الملذات الحسية بكثرة الجواري ووجود اسواق خاصة للمتاجرة بهن وشيوع الشعر الحسي. غاص الشباب الاسلامي في هذ الفترة في مستنقعات البطالة حتى تمكنت القبائل البدوية التركية وغيرها من اختراق الاسلام والمسلمين والسيطرة عليهم. وهؤلاء حتى وان اسلموا بعد ذلك فان اسلامهم جاء وفق نظريتهم القومية التي وجهت التفكير الاسلامي الوجهة المعروفة.
تحديات معاصرة
رغم كل الذي انتاب الحياة الاسلامية والتفكير الاسلامي من ضعف وما اعتراه من ضعف القدرة على التعامل مع هذه التحديات بقيت المنظومة الاسلامية حية وفاعلة وقادرة على صياغة قناعات الفرد المسلم. لقد شكل ذلك مثارا للدهشة او الحسد او "الحقد" لدى دوائر عديدة. اذ ان هذه المشاعر والاخلاق الاسلامية هي التي استند اليها شعور وتفكير الذين قاموا بحركة التحرير الاسلامي ضد الاستعمار لقرون خلت. وتطرح اليوم ظاهرة الانترنت والفضاء المفتوح اخطر التحديات التي يمكن ان يواجهها الاسلام. ورغم حيادية اجهزة الاتصال وانها تتكيف وقدم خدماتها حسب رغبة الانسان الذي يستخدمها الا ان وقعها في المجتمعات الاسلامية يختلف لاسباب عديدة. اولى هذه الاسباب ان القائمين بالثورة الاعلامية وصناعها هم غربيون. وقد حمل الغربيون اجهزتهم الاخلاق التي تربوا عليها واعتبروها اخلاقا مناسبة وارتضوا اساسياتها في التعامل. واخص ما في هذه الاخلاق هو الاباحية الجنسية. فالجنس في الحضارة الغربية سواء في التشريعات او القناعات الفردية ينتمي الى حيز الحرية الشخصية دون ضوابط من شريعة دينية او قدسية يفرضها كتاب مقدس.
عزا الانترنت والقنوات الفضائية البيوت الاسلامية ونشاهد في العراق نتائج هذا الغزو لدى الجيل الاول. فاذا اخذنا بحساب الاجيال فقبل ان يكتمل العقد الاول اي عشر سنين على الجيل الاول للانترنت والفضائيات فاننا ازاء كارثة حقيقية في العراق تحديدا. وحتى في مجال الاباحة الغربية فان الاشياء هناك خاضع في مجملها لتشريعات تضبطها وتحد من ضررها على الاقتصاد او على التنظيم. اما في العراق فلا حدود لهذه الاشياء ولا تشريعات تضمن عدم اسائتها او تدميرها المنظم للنسيج الاخلاقي للفرد. ولابد في هذا المجال من مصارحة قد تبدو جارحة. يجب الاعتراف ان جيلا متهتكا من الناحية الجنسية قد برز في العراق في السنوات العشر الاخيرة. ان هذا الجيل هو اليوم في المدارس الاعدادية او الصفوف الاولى من الكليات. كما يجب الاعتراف ان مجزرة اخلاقية في العراق تحدث كما في بقية دول العالم العربي والاسلامي بفعل الهجوم الكاسح للفضاء المفتوح من جهة والضعف الواضح في قدرات الفكر والثقافة الاسلامية على احتواء هذا التحدي الخطير بل الاخطر.
اذا سقط حائط الاخلاق فلن يبقى للاسلام كيان مثل الذي تحدثنا عن قوته بوجه التحديات التي واجهته. وقد ينفذ من هذه النقطة كل الحاقدين على الاديان وعلى الاسلام خاصة سواء من الغربيين او من المسلمين انفسهم. وتنقل الاخبار يوميا تفاصيل ما يجري من تخصيصات مالية لنشر برامج تحث على "الحرية الجنسية". ومن النادر ان يمر يوم بل ساعة على بعض المنتديات او المواقع الاعلامية دون ان تنشر اخبارا او تحقيقات او احصائيات عن المثليين مثلا.
ففجاة وبقدرة قادر اصبح المثليون حديثا يوميا رئيسا وليس عرضيا وبطريقة متشابهة ومتكررة لدى اغلب اجهزة الاعلام العربية. اليس غريبا في مجتمعات فقيرة وتابعة وتعاني امراض الانقسام والتخلف ان تطرح قضايا المثليين في اعلامها بدل قضايا السكن والتعليم والعنوسة.
بدون اي جنوح نحو نظرية المؤامرة لابد من تاشير حقيقة مؤسفة ومفزعة بنفس الوقت وهي ان جموعا من المثقفين المرتبطين بالمؤسسات الغربية وليس بالثقافة الغربية ينفذون برنامجا منهجيا ومنسقا لاختراق النسيج الاخلاقي الاسلامي. ان قسما من هؤلاء يعتقد ان وظيفته هذه "تنويرية" وهو يدافع عنها باستماتة. فيما يسلك البعض الاخر منهم مسلكا انتهازيا يرتبط بالمال ولا شيء غير المال. ولابد من الاعتراف مرة اخرى ان اختراقا حقيقيا حصل في النسيج الاخلاقي الاسلامي لم يصل حد الاستباحة لكنه في الطريق اليها كما هو واضح ويجري امام اعيننا يومياً.
خير العمل
بموازاة اي حديث عن انتهاك الاخلاق الاسلامية من الغرب او وكلائه لابد ان يكون الحديث عن المسلمين انفسهم بمثقفيهم وعلماء دينهم وادبائهم وغيرهم. ان المعول على هؤلاء ان يعالجوا مشكلات الدولة والعدل والفقر والجنس بطريقة واحدة ومتسقة. اذ ان مشكلة الجنس والاخلاق الجنسية لا تنفصل عن اخلاقيات الصدق والاخلاص ويقظة الضمير. فمشاكل المجتمعات الاسلامية لا تتجزا ولا يمكن النظر اليها الا في سلم الاولويات اذ انها جميعا تشكل القانون الداخلي لتخلف المجتعات الاسلامية المعاصرة.
اعتقد ان تقديم البدائل وتنوير الشباب والشابات والمصارحة يمكن ان تشكل طريقا لتغذية الاخلاق الاسلامية بعوامل القوة الذاتية والمنعة والحصانة. ان الانترنت والفضاء لا يخشى اي شيء ولا يستاذن في حضوره. وحتى نواجه قوة هذا الحضور يجب علينا الا نخشى ايضا ان نتصارح في كل شيء ونتدارس امورنا دون عقد فلا حياء في العلم ولا حياء في الدين.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home عراقيات تحديات الفضاء المفتوح
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة