| العراق اولا |
|
|
|
|
صالح عبد علي بعد سقوط النظام القيصري في روسيا وإنشاء الاتحاد السوفيتي وما تبعه من إمبراطورية طفق هذا الاتحاد بتأييد النظم الشيوعية في كل العالم. وانطلق الاتحاد السوفيتي في تأييده لهذه النظم من مجموعة من الأفكار التي أطلق على بعض توصيفاتها: "وحدة النضال الثوري للطبقة العاملة". وأصبح التأييد السوفيت للأنظمة الشيوعية في العالم ثابتا من ثوابت السياسة السوفيتية الخارجية والداخلية أيضا. فمن الناحية الخارجية تبنى هذا النظام فكرة حماية هذه الأنظمة سواء من الكتلة الرأسمالية بزعامة أميركا أو من شعوبها عندما كان الاتحاد السوفيتي يلجا لحماية الأنظمة الشيوعية من الثورات الشعبية الداخلية كما حدث في المجر وبراغ وكذلك حماية النظام البعثي الأمر الذي لم تكشف عنه بطريقة كافية الوثائق التي ما زالت حبيسة لدى مختلف الأطراف. أما من حيث السياسة الداخلية للاتحاد السوفيتي فقد مثلت رعاية الاتحاد لهذه الأنظمة أعباء مكلفة على الدولة. وقد تعالت إثرها بعض الأصوات المطالبة بالحد من هذا التأييد الاقتصادي والعسكري لهذه الدول السائرة في ركب الشيوعية. وكثير منها متاجر بهذه الشعارات كي يحصل على التأييد والدعم اللازمين.رفع المعارضون لسياسة التأييد شعار الاتحاد السوفيتي أولا. وقد تنبهوا مبكرا إلى ان هذا التأييد سوف يقصم ظهر الاتحاد السوفيتي ويجعله ضعيفا وفقيرا ليس من الناحية المادية فقط وإنما من ناحية الأبنية العقائدية والدستورية ومضمون العلاقة بين الحزب والدولة. فقد كان طابع هذه العلاقة هو طابع الهيمنة من قبل الحزب على مقدرات الدولة. ولغرض إبقاء هذه الهيمنة حاول الحزب الشيوعي تصدير أزمات الدولة السوفيتية إلى الخارج عن طريق تدخله بدعم الأنظمة الشيوعية أو التي تدعي ذلك وكان آخرها النظام الشيوعي في أفغانستان قبل سقوطه. وفر دعم الأنظمة الخارجية للحزب الشيوعي السوفيتي فرصة للهيمنة على مقدرات البلاد وإسكات الأصوات المطالبة بوقف هذا الدعم. لقد تم القضاء على كل الأصوات كانت تنادي بشعار الاتحاد السوفيتي أولا. وللمفارقة فان آخر رئيس للاتحاد السوفيت "ميخائيل غورباتشيف" كان قد بعث من جديد هذا الشعار ولكن بعد فوات الأوان. فقد جرت مياه كثيرة تحت سطح الاتحاد السوفيتي عندما أفقر الحزب الدولة وبدت هذه الدولة النووية المدججة بالأسلحة قزما اقتصاديا غير قادر على إطعام شعبه أو توفير مستلزمات الحياة الكريمة. البعث يحاكي التجربة الستالينية عندما امسك البعثيون زمام السلطة في العراق بانقلابهم الثاني في 17 تموز كانوا يدركون معنى أنهم بلا شرعية وقد جاؤوا من الشوارع الخلفية وبعضهم خان ولاء القسم في الجيش وإنهم بحاجة إلى الشرعية بأي شكل كي يستمروا بالحكم. وقد قلدوا النظام الشيوعي السوفيتي بالبحث عن هذه الشرعية خارج حدود الدولة وذلك بدعم الأنظمة "الصديقة أو الموالية". لقد شرع البعثيون حتى آخر أيامهم باسم القومية تارة والثورية تارة أخرى بشراء أنظمة مستبدة وعصابات سيطرت على السلطة هنا وهناك ودعهما بالمال والسلاح وحتى إيواء بعضها داخل العراق. وقد عبر الإعلام البعثي عن هذه التوجهات في محاولة توجيه الثقافة والذاكرة العراقية إلى خلق روابط زائفة باسم القومية. ان العراقيين يدركون بالثقافة والفطرة والتاريخ أنهم عربا لكن الفكر القومي الذي افتعله البعث كان يبحث لنفسه عن شرعية كي يمكن حزب البعث من السيطرة على الدولة العراقية لربطها بفكرة أوسع تتيح له التعمية والتضليل والتمويه. وفي الفترة التي حكم فيها البعثيون من 1968 حتى يوم التاسع من نيسان عام 2003 توارى سؤال وشعار العراق أولا لصالح الغوغائية البعثية التي حاولت ان تخلط الحابل بالنابل كي يصفو لها كل شيء. كانت الوفود تترى على بغداد حيث يتعامل السياسيون العراقيون مع رؤساء هذه الدول والوفود بمنطق العصابات وليس بمنطق السلطة. وقد كشفت وثائق عديدة "والمخفي أعظم" عن طبيعة الهدايا أو القروض أو الرشى التي كان يقدمها النظام البعثي المقبور إلى رؤساء أفارقة وفرنسيين وعرب بقائمة طويلة وفضائحية. على ان أعلى مراحل النكتة البعثية السمجة عندما قرر المقبور صدام إهداء الزنوج الاميركان مبلغا كبيرا من المال تحريضا لهم على حكومتهم دون ان يقول وهو الجاهل قانونيا كيف يحصل هؤلاء الزنوج في دولة دستورية مثل أميركا على أموال من رئيس عصابة بصفة حاكم. وعندما كنت الطائرات التركية تقصف شمال العراق ويدخل الجيش التركي عشرات الكيلومترات داخل الأراضي العراقي يتبرع صدام لتركيا بعشرة ملايين دولار أو أكثر من النفط في قمة الأزمة والحصار الاقتصادي. وقد تبرع المقبور للضحايا الفلسطينيين بمبلغ 25 ألف دولار لمن يهدم بيته وعشرة آلاف دولار لكل ضحية من ضحايا العدوان الإسرائيلي. بنفس الوقت الذي تحرم أرامل وزوجات العراقيين من ضحايا الحروب من عشر معشار هذا المبلغ. لقد اعتبر بعض الفلسطينيين الملتزمين دينيا من ضحايا العدوان الإسرائيلي ان هذه الأموال حرام ورفضوا استلامها من ممثلي المقبور هناك. وفي إحدى جلساته التلفزيونية الطويلة والمملة بعد حرب الكويت حاول صدام ان يرمم صورته القبيحة فخاطب جلساءه من رؤساء العشائر العراقية: ان من يريد ان يفهم ويعرف قيمة ومعنى -أم المعارك!- فليذهب إلى المغرب العربي كي يرى ويسمع معنى هذه القيمة". لقد حول المقبور مصالح العراقيين وحياتهم وحياة أبنائهم إلى مجموعة من المهووسين في المغرب العربي ممن خرجوا بتظاهرات تأييدا للطاغية نظمها بعض المرتشين والإعلام القومجي. لم يكن في فترة حكم النظام البغيض مسموحا ان يرتفع أي صوت يدعو إلى شعار العراق أولا على الرغم من تحول هذا الشعار إلى مبدأ لكل الحكومات والسلطات المحيطة بالعراق. فبعد حرب تشرين عام 1973 رفع أنور السادات شعار مصر أولا. وقد ذهب بعيدا في ذلك عندما اعتبر ان مصلحة مصر تكمن في التصالح مع إسرائيل لان الدول العربية حولت مصر إلى "بقرة حلوب محاربة". فقد أيد الكثير من المثقفين المصريين "مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ولويس عوض وحسين فوزي وغيرهم" هذا السلوك من أنور السادات على الرغم من الرفض الشعبي لفكرة المصالحة مع العدوان الإسرائيلي. ثم تحول شعار البلاد أولا إلى كل الدول عندما رفعت الحكومة الأردنية شعار الأردن أولا ثم الكويت وحتى الدولة التي تدعي ريادتها إسلاميا " السعودية " فإنها تمارس هذا الشعار بالفعل وبقوة في تنظيماتها الإدارية والمالية لكنها لا تسمح باستعماله إعلاميا حفاظا على ما تكسبه من مزايا رمزية بوجود الحرمين الشريفين هناك. وبالنتيجة فان جميع السلطات والدول سلكت مسلك تقديم المصلحة لشعبها ودولتها مرغمة أو طائعة بفعل الظروف المختلفة التي جعلت من هذه السلطات عارية أمام شعوبها. إلا النظام في العراق الذي استطاع ان يحكم عاريا وبوقاحة قل نظيرها. بانتظار: العراق أولاً لعل السياسيين العراقيين اليوم يدركون المعاني التي ينطوي عليها شعار العراق أولا. وأظنهم قد اخذوا عبرة من الشعارات الطوباوية التي أضرت بوحدة البلاد وكذلك بثقافتها. فالفرد العراقي وبحكم الهيمنة الإعلامية وعمليات غسل الدماغ المنظم اخذ يدافع عن قضايا لا يفهمها وليست من شانه. وان دفاعه عنها ليس إلا انعكاس للضجيج الإعلامي الذي نجح النظام المباد في خلقه. اعتقد ان نجاح السياسيين العراقيين بإذن الله تعالى يرتبط بوضع مبدأ وشعار العراق أولا موضع التنفيذ والتطبيق في كل مرافق الحياة من السياسة الخارجية إلى هيكلة الاقتصاد الوطني إلى التوجه الإعلامي وتثقيف الفرد.
|