| العراقيون لم يعودوا يقرأون |
|
|
|
|
متي كلو بدون الكتب يصمت الضمير، وتنام العدالة، وتقف الطبيعة جامدة، وتعرج الفلسفة، وتصاب الآداب بالصمم، وتطوي الظلمة سائر الأشياء. أ.بارتوليني. اجابني: احدهم قال لي من هو البياتي!! والثاني قال بتهكم: “لو بلغتنا منذ شهر كنا رتبنا امورنا احنا والعائلة والجهال”!! اجبته: والاخرين! قال: الجماعة “فدوى لعيونهم خطية مشغولين (هاي باط وهاي بيط بالدومينو والاخرون طاخ وطيخ بلعبة الطاولي) والبعض منهم يترقبون (الجوكر)”! اما البعض الاخر كانوا ينهشون في جسد (البتزا) بدون رحمة ولا شفقة!! ويضيقون الخناق على قنينة ما! واختتمت الاحتفالية بعدة شخصا!! فدهشت! -2- قبل عدة سنوات كان يقام سنويا احتفال شعبي لمناسبة الاول من نيسان او كما يسمى "عيد اكيتو" وهو السنة البابلية الاشورية، وكان هذا الاحتفال يجمع كل التسميات لأبناء "بين النهرين" قبل ان يطعنوه بخنجر في وضح النهار ويمزقوا جسده واصبح كل فريق يحتفل احتفالا خاصا بسنته وتاريخه! واصبح "اكيتو" مجزّأً رغما عنه بعد الالاف من السنين الى "اكي" والاخر "تو"!! ووفرت ادارة المهرجان في حينها الكثير من الفعاليات والخدمات فكان هنالك عروض للازياء والعاب لتسلية الاطفال وساهم عدد من الفنانيين في هذا الاحتفال مجانا وقدمت مسرحيات تاريخية تدعو الى الوحدة والتضامن والشعب الواحد والتاريخ الواحد وكل شيء كان واحدا! كما كان هناك "اكشاك" لبيع الماكولات الخفيفة والهدايا ومنها "كشك" لصديق لبيع الاقراص الليزرية (CD)، وفي حينها وردتني كميات لعدد من اصدارات دار نشر تعود لاحد ابناء شعبنا في الشتات ومن اجل ترويجها في هذه المدينة طلبت من الصديق ان يضع مجموعة من اصدارات هذه الدار بجانب اقراص الليزر وباسعار مخفضة خدمة للباحثين عن الكتب الحديثة وانخفاظ كلفتها مقارنة لو طلبت عن طريق البريد الالكتروني، وحالي حال الاخرين كنت من الزائرين الذين تجاوز عددهم اكثر من 2000 زائر، وقبل نهاية المهرجان توجهت الى صديقي الذي تطوع لبيع تلك الكتب واخبرني انه باع ثلاثة منها فقط فبادرته قائلاً: انا اعلم من اشترى تلك الكتب! قال لي كيف عرفت! اجبته: شاهدت من بعيد الدكتور الفلاني والاستاذ الذي بجانبه وهما يتصفحان مجموعة من الكتب... قاطعني ورد مبتسما: نعم تصفحا الكثير منها ولكن قبل ان يغادرا طلب احدهما مني اخر قرص غنائي اما الثاني فسألني عن عن آخر كتاب للابراج!! فدهشت!! -3- في كثير من الاحيان كنت استقل القطارات وخاصة في الصباح وقبل بداية الدوام الرسمي للشركات والمؤسسات في هذه المدينة أشاهد اغلبية الركاب منهمكين بقراءة جريدة او كتاب او مجلة ولا ينبس أحد منهم ببنت شفة مع من يجاوره المقعد الا ما ندر ولا تسمع سوى صوت عجلات عربات القطار، وفي أحد الأيام ولشدة الازدحام كان الكثيرون من امثالي واقفين لعدم وجود اماكن للجلوس، ومن حسن حظي كنت قريبا من مقعد غادر شاغله عندما توقف القطار في محطة ما، وكانت دهشتي كبيرة عندما رأيت من بجانبي يقرأ كتابا باللغة العربية، فقلت في نفسي ان عدوى القراءة في القطارات والطائرات قد انتقلت الينا ايضا، فبادرته: - صباح الخير - فاجابني: صباح الخير - قلت له: جيد ان ارى احداً منا يقرا كتابا باللغة العربية، من اين حضرتك! - اجابني باللغة الفصحى: انا بريطاني!!! - بريطاني! قلت له مندهشا! - اجابني: نعم. - وتقرأ كتابا باللغة العربية! - نعم انا مدرس اللغة العربية في احدى الجامعات في هذه المدينة. وسالني: وانت! - قلت له انا من العراق. - قال: رائع ان التقي من احد ابناء ميزوبوتاميا واكثر ما استمتع بمطالعاتي هو عن اقدم حضارة في التاريخ وعن بابل ونينوى وسومر واكد. - قلت له: هل زرت العراق! - اجابني: نعم وتمتعت بزيارة بغداد واكلة "المسقوف كما سماها" في شارع ابي نؤاس وقرأت الكثير عن الجواهري والرصافي والزهاوي والسياب وبلند الحيدري والبياتي وجواد سليم وغيرهم. -4- على وفق الاحصائيات المتوفرة على الشبكة العنكبوتية نجد ما يأتي: (يقرأ الفرد العربي 6 دقائق فقط في السنة، بينما الفرد الاوربي اكثر من 12000 دقيقة وان معدل القراءة في العالم العربي هو 4% مما يطالعه الفرد في انكلترا وان الاوربي يقرأ 36 كتابا في السنة و(الاسرائيلي) 40 كتابا، اما في عالمنا العربي فيقرأ 80 شخصا كتابا واحدا فقط!! وان نصيب الطفل الامريكي من الكتب في العام 132608 والبريطاني 3838 والفرنسي 2118 والروسي 1485 “اما طفلنا!!” لا يحتاج الى كتاب لأن والده... لا يطعن (ايكتو) فقط بل يطعن اور واريدو ونينوى وبابل واشور وسومر والحضارة الاسلامية العظيمة ويساهم بتمزيق التاريخ كله. -5- ولم اندهش او استغرب من كل هذا الطعن والتمزق لأننا شعب لا يقرأ.
|