| العراقيون مهووسون بالماضي |
|
|
|
|
محمود سعيد يعتقد كثير من العراقيين حتى الآن أن الحية لا تموت، وأنها تغير جلدها بدل الموت، وأن من يريد قتلها يجب عليه أن يسحق رأسها. وإلا نمت من جديد. والتقيت شاعراً هندياً في دبي سنة 1995 أكد وجود الأسطورة نفسها عن الحية في الهند. ولست أدري إن كانت هناك شعوب أخرى تقول بذلك أم لا. فمن أين جاءت الأسطورة؟ جاءت الأسطورة من ملحمة كلكامش، أو قلقميش كما يصر بعض دارسي الآثار على تسميتها، فقد دفع الحزن قلقميش على البحث عن سر الحياة بعد رؤية صديقه أنكيدو يموت. فترك ملكه وعزه وسافر وتعب وجاع وكاد يموت عدة مرات فأثار عطف الآلهة (حسب الاساطير والفكر الوثني القديم) فدلته على مكان عشبة الخلود، وحينما غطس واقتلع العشبة من قاع الهور، وخرج تعباً أدركه النعاس، فغفا. ثم استيقظ على صوت غريب، وعندما فتح عينيه شاهد الأفعى تلتهم عشبة الخلود وتهرب. ولذا أصبحت خالدة لا تموت.
مضى على هذه الأسطورة أكثر من سبعة آلاف عام، لكن بعض العراقيين ما زالوا متمسكين بها. فلماذا؟ شكو ماكو: نستعمل في العربية الفصحى (يوجد ولا يوجد)، (موجود وغير موجود). ويستعمل أهل الشام بأقطاره كلها ودول الخليج: (في وما في). أما المصريون فيستعملون: (في وما فيش). وتستعمل شعوب المغرب العربي: (كاين وماكاينش). في العراق نشأت أهم الدراسات العربية، والعلوم العربية، والنحو العربي، والقواميس وأوزان الشعر العربي كما يعرف الجميع، لكن الشعب العراقي لا يستعمل لفظتين عربيتين كباقي الشعوب العربية بل لفظتين سومريتين كقول طه باقر: هما أكو وماكو. ويقول إبراهيم السامرائي: إنهما أكديتان. أما الجيل اللاحق من علماء الآثار فيقول: أكو سومرية. وما عربية. وبهذا يزاوجون بين اللغتين. إن أهم سؤال يطرح نفسه لماذا أبقى العراقيون على هذه اللفظة ولِمَ لم يغيروها كباقي أشقائهم في الدول العربية؟ الرز: تستعمل الشعوب العربية كلمة الرز للدلالة على الحبوب التي نعرفها ونطبخها ونأكلها بشكل مستمر، لكن العراقيين وحدهم من دون الشعوب العربية كلها يستعملون كلمة التمن. فمن أين جاءت؟ وفي أول مربد عقد في العراق في بداية السبعينات التقيت جلال الحنفي وسألته بضعة أسئلة منها عن الطيور التي تحوم فوق دجلة فقد كان الكُتاب يطلقون عليها بضعة أسماء مختلفة كطيور الماء، وعن كلمة تمن. فقال إنها صينية. وكان المرحوم عبد الكريم قاسم أرسله ليكون أول أستاذ للغة العربية في جامعة صينية، ثم غضبت عليه السلطة بعد 1963 فاستقدمته قبل أن يكمل مشروعه المهم (أول قاموس عربي صيني عربي). وعندما استشارته الصين في أن يرسل بديلاً عنه بعد نحو عشرين سنة رشح هادي العلوي. ثم أكدّ العلوي هذا الشيء في أحد كتبه. ومن هذين الاثنين علمت أن كلمة التمن هي صينية، وربما يكون الصينيون هم الذي أدخلوا الرز اللذيذ إلى المطبخ العراقي فأراد العراقيون مكافأتهم على تلك الوجبة اللذيذة فاحتفظوا باللفظة الصينية إلى حد الآن. بعدئذ ردّ الصينيون المكافأة إلى العراقيين بأحسن منها فقالوا كل العالم عميانٌ إلا العراقيين فهم عورٌ. وهذا المثل ليس حديثاً وإنما يعود إلى أربعة آلاف سنة حيث كان في المنطقة التي تسمى الآن بحر النجف خليج كبير كانت السفن الصينية ترسو فيه وتنزل بضائعها لتتوزع في المنطقة كلها. ويبدو أن العلاقات الصينية العربية توطدت زمن الحكم العباسي، وحسبما يقول هادي العلوي إن السجل الإمبراطوري الصيني يذكر بالتفصيل طلب أحد أباطرة الصين، والذي عزل في مؤامرة داخلية، نجدة من المنصور لإعادة ملكه، فاختار المنصور ثلاثة آلاف فارس جيد التدريب وأرسلهم، وطلب من عماله تجهيزهم بخيول قوية في كل مرحلة من مراحل طريق الحرير الذي يمر من خلال إيران وأفغانستان وباكستان وشمال الهند ويصل الصين. وبالفعل مكنتهم تلك الجياد من الجري المتواصل طيلة النهار، وأوصلتهم الصين بوقت قياسي فاستطاع الإمبراطور بهم إرجاع عرشه، ثم خيرهم بين البقاء في الصين أو الرجوع فاختار معظمهم البقاء. ويبدو أن ماركو بولو التقى بعض أحفادهم في الصين وأشار إليهم. الشاي: يعدّ العراقيون الشاي بطريقة تختلف عن الآخرين، ويحبونه، ويغنون له وهناك أغنية مشهورة تمجده، وترفع من شأنه: خدري الشاي خدري. عيوني لمن أخدره. وهي تحكي قصة حبيب يطلب من حبيبته إعداد الشاي، فيقول لها: أعدي الشاي ياعيني. فتجيبه الحبيبة: يا عيني لمن أعدّه؟ وهناك شاعر موصلي هو ذو النون أيوب وصفه بجملة رائعة فقال: الشاي خمر الكادحين. وكان أحد شيوخ منطقة الفرات الأوسط يحب الشاي وعندما سئل لماذا تحبه: قال أحبه لأن لونه أحمر جميل. ولأن مذاقه حلو جميل. ولأنه موضوع في إناء جميل. لحب العراقيين الشاي احتفظوا بأسماء أدواته الأجنبية كلها كما وردت لهم من غير تعريب. فهو يقدم بزجاجة يطلقون عليها (الاستكان). فما أصل هذه اللفظة؟ لفظة استكان تشبه لفظة التمن. فكل العرب يستعملون كلمة قدح أو كأس للزجاجة التي يصب فيها الشاي إلا العراقيين فهم يستعلمون كلمة (استكان) ولا يعلم معظمهم من أين أتت؟ قبل مئات السنين كان الكأس الزجاجي الصغير يصنع في روسيا، في منطقة تسمى استراخان. وكان يتواجد في المدينة نفسها معمل للسكر يطلق عليه العراقيون القند وعندما جاء الشاي في بداية القرن العشرين إلى العراق، استورد العراقيون السكر من استراخان لاستعماله مع الشاي، ووجدوا تلك الأقداح الزجاجية الجميلة فجلبوها هي وأطباق صغيرة جميلة جداً توضع فيها مع السكر، ثم جلبوا معها من نفس المكان السماور فاتخذه الأغنياء وسيلة لإعداد الشاي، أما الطبقة الوسطى، فكانت تستعمل إناءين لإعداد الشاي، واحد لغلي الماء أبقوا لفظها الإنكليزي كما هو الكتلي، والثاني لتحضير الشاي ويجب أن يكون من الفخار الصيني، ويطلقون عليه قوري الشاي وهي لفظة صينية محرفة عن اسم إمبراطور صيني كانت تلك القوارير تستورد في زمانه، بينما يطلق العرب جميعهم لفظتين عربيتين على ذلك الإناء إحداهما: إبريق الشاي. والثانية براد الشاي. وهكذا نرى أن العراقيين ينظرون إلى الجاي (الشاي) نظرة أشبه بالتقديس، وتغيير الاسم نوع من التزييف، ولما كان المقدس لا يقبل التزييف، بقيت الأسماء على ما هي عليه. حتى أنهم يلفظون كلمة جاي كالصينين بالجيم لا بالشين كبقية العرب. لذلك بقي كل ما يتعلق بالجاي على اسمه العجمي: الجاي صينية بدل الشاي. السماور روسية الكتلي إنكليزية بدل براد. القوري صينية بدل إبريق. القند فارسية بدل سكّر. الخاشوقة، فارسية أو تركية بدل ملعقة الشاي الصغيرة. لكنهم احتفظوا بلفظة عربية واحدة من أدوات الجاي مداهنة كي لا يغضبوا اللغة العربية وهي لفظة الصحن الذي يوضع فيه الاستكان، فأبقوها عربية: صحن. |