| مـتى ينبثـــق مونديال ســـــلام للعبة الحيـــاة؟ |
|
|
|
|
د. خضير الخزاعي تستأثر الأزمات هنا وهناك باهتمام الناس، فيما يتزايد القلق العالمي إزاءها وتكثر الهواجس من تداعياتها، بل وتنوعها أيضا، فالأزمة المالية التي عصفت بالعالم كله قبل شهور تطل برأسها ثانية من اليونان وتتضاءل تبعا لذلك قيمة اليورو، فيما المخاوف تتضاعف حول انزلاق اقتصاد دول أوربية أخرى إلى هاوية الإفلاس، كما تتسمّر العيون باتجاه الأمن المفقود في أكثر من منطقة من مناطق العالم، فما أن يتعافى الأمن العراقي أو يكاد وإذا بالأمن يتوتر أو يتدهور في أفغانستان وباكستان واليمن وقرقيزيا. إلى جانب ذلك يأخذ التلوث العالمي حصة لا بأس بها من اهتمام سكان هذا الكوكب الذي بات مهددا جراء سوء استغلال أهله له ولخيراته. ا ما على الصعيد الاجتماعي، فالصورة ليست أقل قتامة من الأوضاع الاقتصادية والأمنية، حيث ارتفاع نسبة الطلاق في العالم العربي والمنطقة الخليجية، ليتخذ أبعادا مرعبة، ربما ينذر مؤسسة الزواج والأسرة هناك بزلزال مدمّر. ثم إن التسابق التسليحي والملفات النووية والتوتر بين إيران والغرب، وبين الكوريتين، وبين الكيان الصهيوني وتركيا، وبين الأنظمة والشعوب كلها ظواهر سلبية تدق أجراس الخطر، وتسلب الأمن من عيون ونفوس الآدميين. وسط هكذا أجواء مكفهرة وملبدة بالخوف والقلق تنطلق مزامير فرح جنوب القارة السوداء، حيث العرس الكروي العالمي الكبير في مونديال 2010 في جنوب أفريقيا، وكأنه بارقة أمل أو قل محطة استراحة للآدميين يسعى سكان الأرض خلالها للهروب من واقعهم المأزوم إليها، رغم إن الكثير من هؤلاء المهتمين ليسوا من الرياضيين، وليس لبلدانهم فرق مشاركة في المونديال، وإنما هناك إجماع بشري على إن الحروب والأزمات والكوارث والمشكلات المتواصلة واللامنتهية لابد من نسيانها ولو مؤقتا والتوجه نحو أرض يتلاقى فيها بنو البشر في تنافس نظيف شريف بعيدا عن العنف والاحتراب والصراعات والهواجس والأهوال، وكأن استفتاءً بشريا يعمّ الأرض كلها، فتجمع المليارات الستة على رأي واحد تريد فيه أن تتعايش بسلام وان تلعب باحترام وان تتنافس بلا حروب وانتقام، وإذا ما عجز الساسة وصنّاع القرار وأولو الأمر في هذه الأرض من أن يوفروا حلما تسعد في ظلاله البشرية، فأن مليارات الآدميين تركوا السياسة لأهلها والحروب لرجالاتها المهووسين بها، والأزمات لصنّاعها الذين لا يريدون لها حلا لأن وجودهم ومصالحهم مرهونان باستمرارها ووجودها، ولذلك أدارت البشرية ظهورها لهؤلاء جميعا وراحوا يواصلون الليل بالنهار نحو اللعب البريء وهم يشاهدون الفن الجميل الذي يبدعه شباب من قارات الأرض كلها، ليزرعوا الأمل في نفوس معذبي هذا الكوكب الذين أتعبهم اللعب المشين بمقدراتهم وأرواحهم وآمالهم وأحلامهم. ومن يتدبر في أسباب هذه الأزمات سوف لا يجد تفسيرا لها سوى بعد الإنسان عن الله وإعراضه عن ذكره، ليبتلى بأزمة دين وأزمة أخلاق وأزمة قيم.. وما عداها فهي أعراض لهذه الأزمات الحقيقية التي تعصف بأمن الإنسان وتخاطر بوجوده وصيانة كرامته وعيشه وأحلامه. وكم تمنيت لو إن الفضائيات التي تستضيف خبراء الرياضة لتقييم الحدث والألعاب واللاعبين، تستضيف إلى جنبهم علماء اجتماع وعلماء نفس وعلماء قانون وعلماء أديان، ليبحثوا عن أسباب اهتمام الناس بالرياضة وترك ما سواها، ثم ليستنبطوا حلولا جادة لمشكلات الإنسان وأسباب سأمه ورفضه لمقولات الساسة ومساجلات دهاقنتها، والانطلاق من المونديال الرياضي إلى ورشة عمل متخصصة، لبعث ثقافة سلام ووئام وانسجام بديلا عما يعكر صفو الحياة البشرية من ثقافة موت ورعب ودمار وأسلحة ومتفجرات ومشاكل وأزمات. ومن ثم الإجابة على جملة من الأسئلة الحائرة التي لم تجد الإنسانية من يروي عطش الإطلاع لديها في هذا المجال. فلماذا يجمع العالم على الاحتكام إلى قواعد لعبة كرة، ولا يحتكم إلى قواعد لعبة الحياة؟! ولماذا يتفق من في الشمال مع من في الجنوب على ضرورة احترام تلك القواعد والأحكام في ساحات الملاعب، ولا يحترمونها في لعبة الحياة الكبرى، رغم إن مخاطر خسارة الحياة أكبر بكثير من مخاطر خسارة هذا الفريق أو ذاك؟!. لماذا لا نتفق كيف نختلف وكيف نأتلف، وكيف نتعايش وكيف نحيا كلنا بأمن وسلام وانسجام؟ وهل إن ما يجمعنا في ملاعب الكرة لا يمكن أن يجمعنا خارجها؟ الذي لابد منه وعالمنا يغرق في أزماته، أن يتصدى المثقفون لإشاعة ثقافة الحب والسلام، وان يصرخوا في كل مكان بضرورة إعادة النظر بقواعد لعبة الحياة على هذه الأرض قبل أن نخســرها جميعا، ولا أحسب أن هناك من هم أقدر من المثقفين على تغيير أحوال الناس إلى أحسن حال، لكن ذلك أمر يحتاج إلى مزيد من الوعي بالمسؤولية وهو ما يفقده الكثير من البشر. |