مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

التنمية البشرية في العراق PDF طباعة أرسل لصديقك

قيس عبد الامير

من حيث التسمية فان مفهوم التنمية البشرية يعد حديثا لكنه في الممارسة طويل وعميق في التاريخ وتتفاوت درجته بين حضارة واخرى. وعندما نقول: ان الاسلام قد اهتم بالانسان وتكريمه من ناحية اخلاقية ثم تاهيله من ناحية عملية للاستخلاف والوراثة فان ذلك يعني استيفاء لتعريف التنمية البشرية. وعندما اصبحت التنمية الاقتصادية وقاعدتها البشرية موضوعا للنظريات الحديثة المتعددة فقد اضحت التنمية البشرية جزء من اهتمامات سياسات الدول وتخطيطها ومراكز البحوث المختلفة والمثقفين. فلم تعد التنمية عامة مفهوما عفويا يتعلق بقدرة السلطة المركزية على حشد الامكانات او تطوير البنى التحتية او غيرها. اذ ان التنمية البشرية تعني السياسات المنظمة التي تقوم بها كل مفاصل الدولة والمجتمع لتاهيل الفرد كي يكون منتجا.

بعد هذا التعريف تختلف الفلسفات الحديثة في وجهة ومضمون التنمية وذلك موضوع اخر يتعلق بالنزعات الاخلاقية غير الانسانية التي تعبر عنها بعض مضامين التنمية الساعية الى الاستهلاك والنظر الى الانسان كرقم او سلعة وليس الفاعل الاصلي في جوهر التاريخ كما ينظر الاسلام الى ذلك.
اخذ مفهوم التنمية البشرية اخيرا كمعيار من معايير تصنيف الدول الى ناجحة او فاشلة. فعلى سبيل المثال يمكن للدولة والمجتمع تبني النظام الديموقراطي في حالة الفقر "الهند" او الغنى "اميركا". لكن في كلا الحالتين الهندية والاميركية لا يمكن الاستمرار بالنظام الديموقراطي مع تحلل المجتمع من ناحية الاداء والكفاءة واستثمار الطاقات وحسن توزيع الوقت واعتماد العمل معيارا والكفاءة شرطا للوظائف..الخ. ان كل هذه الممارسات تدخل في مفهوم التنمية البشرية خاصة اذا تم التنسيق بين المؤسسات العامة في الدولة لتنسيقها واستثمارها ابتداء من طريقة تفكير الفرد فنظم الاسرة وصولا الى مؤسسات الدولة الكبرى ووزاراتها المختلفة. وفي الخلاصة فقد ارتبطت التنمية البشرية حديثا ارتباطا وثيقا بالديموقراطية والمشاركة في السلطة. اذ ان توجيه الفرد وتنظيم طرائق العمل وتحديد الاولويات لا يمكن ان يتسق ويعمل في مجتمع احادي او ديكتاتوري. وبما ان التجربة العراقية المعاصرة في الديموقراطية ما تزال تعاني مخاضات وصعوبات الولادة فانها قد اجتازت مرحلة النشوء والتبلور الاولي الصعبة وسوف تنطلق باذن الله تعالى بعد انتخابات 7 اذار الماضي نحو بناء المؤسسات واركان الدولة الراسخة. وفي هذا الحال لابد من الوقوف مليا عند الامكانات البشرية العراقية وطرق تنميتها ثم محاولة وصف الاساليب الناجعة كي تكون هذه الامكانات في خدمة مسيرة التحول التنموي والاجتماعي والديموقراطي في البلاد.
محاولة وصف الإمكانات العراقية
نبتدئ بمحاولة اولية لقراءة الخارطة الاجتماعية العراقية من زاوية التنمية البشرية. ان اولى الصعوبات التي يمكن ان يواجهها الباحث في هذا الميدان قلة الاحصاءات المتوفرة حول قضايا اساسية مثل التعليم والصحة ودرجة الكفاءة المهنية وغيرها. وثاني الصعوبات الطريقة التجزيئية التي تعمل بها تقليديا مؤسسات الدولة العراقية. فمنذ عقود طويلة تعمل الوزارات والمؤسسات السيادية والمهنية بطريقة تفتقر التنسيق والتكامل. ويعتبر هذا الانقسام في عمل المؤسسات من الد اعداء التنمية البشرية. فهذه التنمية تفترض ان يكون الانسان العراقي عبارة عن مجموعة من المعومات الكاملة في حوزة الدولة. وفي النظام الديموقراطي فان الدولة نفسها سوف تكون بالنسبة لهذا المواطن عبارة عن خارطة من المعلومات المفصلة مع طرق السير في مسالكها ودروبها المختلفة. وباتساق هذه العلاقة بين المواطن والدولة تصبح التنمية البشرية تحصيل حاصل طبيعي.
على سبيل المثال يحدد سن التقاعد في الدولة استنادا الى مصفوفة المعلومات التي تتعلق بالامراض الوراثية والصحة العامة المرتبطة بالمناخ في البلاد وطرق التغذية ومستوى الدخل. وم تكون قوانين التقاعد مرنة بالدرجة التي تسمح لمن يعانون من وطاة الامراض التقاعد المبكر نسبيا الذي يتيح لهم مورداً ثابتا في ظروف مشكلاتهم الصحية. ويتيح بالوقت نفسه للاصحاء الاستمرار بالخدمة ليس تحت اجتهاد الموظفين او المدراء بل بوجود تشريعات مرتبطة بنظام التنمية البشرية العام في البلاد.
ويمكن ان نشبه النظام التربوي في العراق "وفي أي مكان في العالم" بانه يشكل العصب الحساس والرئيس للتنمية البشرية. تبتدئ التنمية مع النشء والصغار في تحديد ميولهم واتجاهاتهم وتكوين المعلومات الكافية عنهم. وبعد عقد او اثنين او ثلاثة من الزمن تتبادل مؤسسات الدولة هذه المعلومات على اساس من التنسيق ورعاية المواطن والمساعدة على تحديد خياراته ووجهته المهنية والانسانية والصحية. ويعد النظام التربوي اهم حواضن نجاح مشاريع التنمية البشرية في العالم. فقد استندت التجارب الحديثة في الدول المتمدنة "والمتطورة" الى النظام التربوي للانطلاق بعد ذلك في توسيع مفهوم التنمية البشرية. واذا صاحب النجاح مشاريع التنمية البشرية المنطلقة من النظام التعليمي فسوف يمكن لها ان تسمي نفسها بعد ذلك بـ"التنمية البشرية الشاملة".
ويتداول العراقيون بخجل ودون تحديد مفهوم التنمية البشرية وتفتقر الدراسات الاكاديمية الى تماسك ومعلومات كافية تتيح لها ان تكون مرشدا الى صياغة مفهوم للتنمية البشرية في العراق. وقد يعتبر البعض ان هذا الموضوع من الترف غير الضروري في سياقات العراق الصعبة الحالية. ان ذلك ليس صحيحا على الاطلاق اذ ان المفهوم يتعلق بالتنظيم والتنسيق الذي لا يمكن بدونه ان تسمى هذه الكيانات دولة تعمل على اسس واضحة وكفوءة. ومن الصحيح ان التعسر السياسي الذي رافق تشكيل الدولة الحديثة يجعل المفهوم يبدو صعب التطبيق الا ان ذلك يتعلق فقط بهذه المرحلة البسيطة من العسرة والصعوبة. فلابد للامور بكل السيناريوهات ان تستقر وتبدا ورشة العمل العراقية تدور في كل انحاء البلاد. وفي هذه المرحلة سوف يجد الناس حتى العوام منهم ضرورة احلال مفهوم التنمية البشرية في المركز من مسؤوليات الدولة ومؤسساتها. فهذا الانسان العادي لا يستطيع ان يسمي الرعاية الصحية الشاملة والمرتبطة بنظام صحي وليس بانشاء المستشفيات فقط وتوفير الادوية تنمية بشرية الا انه يطالب ها ويعتبرها عنوانا من عناوين انجازات الدولة المهمة ازاءه وازاء اطفاله. كما ان الصناعي الذي يريد ان ينشيء معملا في بوب الشام "مثلا" لا يمكن له ان ينافس وينجح اذا لم يعرف امكانات اخوته العراقيين الممتهنين لنفس المهنة في الرمادي او العمارة اعتمادا على منطق التنسيق والعرض والطلب فاذا وجد ان انتاجا عراقيا موجودا في السوق فاما ان يعمد الى انتاج افضل واقل كلفة او يلجا الى مشروع اخر. كل هذه الامثلة تدخل في النطاق الواسع لمفهوم التنمية البشرية. وتمثل رعاية الموهوبين والمبدعين عمودا اخر من اعمدة التنمية البشرية. فالمعروف عن نظم التربية العراقية "اختصاصها!" بالهدر والتفريط بهذه الكفاءات التي تمثل خميرة التطور وذخيرة الدولة والمجتمع في ارساء الابنية الحضارية والخروج من ربقة التخلف.
لا تقع مسوؤلية التنمية البشرية وفي العراق على جهة دون اخرى لكن يمكن اعتبار المجلس التشريعي المنتخب والحكومة التي ستنبثق عنه البداية الضرورية في التفكير بمشاريع التنمية البشرية والتركيز عليها. ويقع ضمن ذلك ارسال الخبراء والكوادر للاستفادة من تجارب الدول المتطورة ولا باس ان يتم طرح فكرة انشاء مجلس اعلى مرتبط بالبرلمان او بالحكومة نفسها وتكون وظيفته استشارية او "ملزمة" بحدود وحسب الإمكان لرسم ملامح مشروع التنمية البشرية في العراق استنادا الى امكانات البلاد وحاجاتها.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home عراقيات التنمية البشرية في العراق
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة