مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

صورة مشــتهاة لعراق “آخر” PDF طباعة أرسل لصديقك

عبد الوهاب العاني

يطرح الإعلام العربي والعالمي على متلقيه فكرة ان الانتخابات العراقية القادمة خطيرة وحساسة وتشكل منعطفا في مسيرة العراق وتحديد وجهته المستقبلية. وكل هذه التوصيفات صحيحة رغم التناول "المغرض" أو السلبي أو في أحسن الفروض المفرط في التفاؤل والساذج أحيانا.
والزاوية التي أريد ان ألج من خلالها إلى لب الموضوع ليست من الباب السياسي المحض فهي تتعلق بمدى التراكم الذي حدث في  وعي العراقيين في فترة السنوات السبع الماضية. فالمعلوم ان هذه السنوات كشفت صورة الذات العراقية أمام نفسها لعدة أسباب منها:
1. التغطية الإعلامية الواسعة لكل ما يحدث في العراق.
2. سقوط الصيغة العثمانية للسلطة في العراق وبقاء أثرها في نفوس وأمزجة و"أسلحة" بعض أو الكثير من ممثليها.
3. اعتبار "المسألة" العراقية حاسمة لمستقبل الإقليم والمنطقة وربما العالم بسبب وجود احتياطي نفطي هائل في العراق والموقع الجغرافي ومركز الجذب الروحي للغالبية العظمى من الشيعة في العالم.


لهذه الأسباب وربما لغيرها زالت عن العراقيين الغشاوة التي وضعتها إيديولوجيات السلطة المبادة وكذلك مجموعة العقائد والأفكار والتنظيمات الاجتماعية التي سبقت حكومة البعث المقبور.
ينتمي المجتمع العراقي وكذلك الدولة إلى المنظومة المسماة العالم الثالث. فهي ليست من العالم الأول "الغربي" ولا العالم الثاني "الاشتراكي سابقا والنمور الآسيوية لاحقا". والعالم الثالث مجموعة من الدول "بضمنها العراق" لم يتبلور فيها نهائيا بعد شكل للدولة يقيم شرعيته على أساس تزاحم وصراع القوى الاجتماعية والطبقية وما ينتج عن هذا التزاحم من قوانين تحدد مضامين وأسس الشرعية.
بقيت مجتمعات العالم الثالث تخوض النزاعات الداخلية وتجتر تاريخا من الانقسام حتى أصبح مطلب السلطة القوية جزء من التفكير لدى الإنسان العادي والمثقف على حد سواء. وارتبطت هذه السلطة في غالب الأحيان بتوافقات مع الغرب المستعمر والتحديثي بالوقت نفسه. ونشأت عن ذلك صورة مشوهة لدولة هجينة تمثل مصالح الأقلية التي يمكن ان تستلم السلطة بأي انقلاب عسكري.
وفي ربع القرن الأخير الماضي بدأت منظومة العالم الثالث تتفتت عندما استطاعت بعض الدول ان تؤسس حدا أدنى من الشرعية لنظمها الاجتماعية والسياسية. فالهند وماليزيا وإيران وتركيا واندونيسيا وكوريا الجنوبية وغيرها استطاعت "الإفلات" من قبضة التخلف "العالم ثالثي". وباختلاف درجات التطور في هذه البلدان وأخرى غيرها فإنها اقتربت من حدود العقلانية القانونية لمضمون العمل السياسي في بلدانها. والعقلانية السياسية تعني اتفاق القوى الاجتماعية على أسس للصراع قد يسمى في الاستعمال الصحفي "اللعبة السياسية". وبمقتضى هذه اللعبة يتناوب على السلطة من يختاره الناس في صناديق الانتخاب. وان الخاسر فيها لا يرمى خارجا ولا يحرم من الحقوق بل يبقى ينتظر ويعمل "متصيدا" أخطاء الجالسين في السلطة كاشفا هذه الأخطاء للناس بانتظار ان يقرر هؤلاء تغيير قواعد اللعبة عن طريق الصناديق في الانتخابات القادمة. هكذا ينشا ما يسمى في علم الاجتماعي السياسي بـ"المجتمع السياسي". وهذا المجتمع يستمد قوانين وجوده وعمله من الثقافات المحلية المختلفة عندما يتم تكييفها مع قواعد وقوانين الحداثة السياسية.
وليس أمر الوصول إلى هذه الصيغة القانونية في السلطة سهلا هينا على بلدان العالم الثالث. فالبنى الاجتماعية المشكلة لهذه البلدان تمثل مزيجا من القوى الإقطاعية والقبيلة والاثنيات المتحاربة وجميعها بتوصيفات السياسة الحديثة تنتمي إلى "وضع ما قبل الدولة". وفي نقطة ما من تاريخ هذه البلدان والشعوب قد تصل النخبة إلى وعي حاد بضرورة التغيير مستخدمة أجهزة الثقافة والاقتصاد والتربية محدثة انعطافة تاريخية في حياة هذه المجتمعات. وكل ذلك لم يحدث للعراق حتى "فزع" العراقيون من حريتهم بعد سقوط النظام الذي أذاقهم مرارة العيش وكل صعوبات الوجود الإنساني وعذاباته.
ملامح العراق الجديد
من القوانين الطبيعية التي ترقى إلى مستوى البديهة ان يسقط النظام الشمولي لا محالة جراء جرائمه في نهاية الأمر. ولولا الغطاء الدولي والعربي لنظام المقبور صدام لسقط منذ فترة طويلة بعد ان فقد مبررات وجوده وشرعيته حتى داخل الحزب الفاشي الذي تحول من شعارات العلمانية القومية العربية إلى جهاز امني حقير ضمن وزارات الأمن والداخلية البعثية. إلا ان سقوط النظام بيد جيوش أجنبية قد مثل إرباكا مضافا للقوى الاجتماعية العراقية والأحزاب الوطنية التي وجدت نفسها مرة أخرى أمام خيارات مرة. فلا اثر لدولة ولا لبنية تحتية ولا أدنى شروط الاقتصاد الحديث في دولة المقبور صدام.
تحولت هذه الصفات الذميمة للمقبور وعصابته إلى صفات وطنية وقومية في الإعلام العربي الذي غذى الشارع بصورة وردية عن الديكتاتور الذي مثل أسوا مصاص للدماء في تاريخ العراق برمته. لقد زاد هذا الأمر صعوبات النخب السياسية العراقية الجديدة ان تعيد بناء وترميم الخراب الكبير الذي تركه الفاشيون في العراق. ورغم كل الكلام والتشكيك في العملية السياسية "من الناقدين المخلصين أو من الجهلة أو من المغرضين" فإنها استطاعت ان تبني مؤسسات دستورية عراقية على درجة من الكفاءة رغم طوفان الفساد الهائل في العراق. استطاعت هذه العملية ان تنجز دستورا للبلاد وتشرع لبعض قوانين النفع الاقتصادي والاهم من كل ذلك منعت انزلاق البلاد نحو حروب أهلية خطط لها "الآخرون".
وبعد هذه السنوات من عمر العملية السياسية والتغير الثقافي في البلاد يجب علينا ان نطرح التساؤل التالي:
هل اخترقت آثار سقوط النظام بهذه الطريقة ومحاكمة أزلامه من نجاحات العملية السياسية "الجزئية" قناعات وأفكار الإنسان العراقي؟ وهل وضعت هذه التطورات العاصفة هذا الإنسان أمام خيارات أخلاقية كي يعمل فرديا وجماعيا على اكتشاف الدولة العقلانية القانونية التي ثق فيها الناس ببعضهم ويحتكمون إلى مؤسسات شرعية وينتفعون بمواردهم على أساس الكفاءة والعمل. نستطيع الإجابة عن ذلك السؤال المهم بـ: نعم ولكن. فالإيجاب موجود بعد الحرية وتداول المعلومات وانكشاف السياسة على جميع العراقيين بعد ان كانت لغزا أو أسطورة داخل كهوف تسمى قصورا لا علاقة لرجل الشارع بها إلا عمنا يصدر "القادة" قرارات الحروب "الخاسرة" وما على العراقي إلا الطاعة العمياء أو الاتهام بالخيانة العظمى؟ فالسياسيون اليوم هم أناس ينبثقون من جيراننا وأعمامنا وأصدقائنا وأساتذتنا في الكلية. يعرفوننا ونعرفهم ويمكن ان نتبادل النكات معهم والأكثر من كل ذلك يمكن ان نتهمهم بالاسم في عمليات الفساد ونشره في الصحف والإعلام عامة.
وحتى تعبر الأمة العراقية عن روحها الايجابي وانفتاحها على العقلانية والقانون فان التوجيه الثقافي يعتبر أساسيا في تحويل هذه اللحظة من الانكشاف السياسي إلى قاعدة في التأسيس الحضاري والمدني للدولة. فقد تكسرت عقد السياسة وأغلالها عند الإنسان العام الذي تحول صوته إلى أغلى من الذهب حسب تعبير السيد علي السيستاني الذي عبر بصدق عن هذا المعنى والتوصيف.
أسعفت ثقافة الشعوب التي وصفناها بأنها قد أفلتت من قبضة العالم الثالث في توجيه شعوبها نحو فهم المعنى الذي ينطوي عليه طاعة القانون واحترام حدوده.
 ان الفارق بين الإنسان وغيره من المخلوقات هو القانون وعندما يتم وصف مجتمع بالظلم فانه ينعت بمجتمع الغاب. فلا قانون في الغابة سوى ما تقرره القوة غير المستندة إلى العدل أو الرحمة.
ويبدو الفكر العراقي والثقافة مرتبكة في قضية توجيه الإنسان العادي في العراق نحو القانون والدولة. ان هذا يشكل خطرا جسيما على ثمرة انتخابات السابع من آذار القادمة.
 فعندما يستأثر الإعلام وحده بتداول الحقيقة السياسية نقدا أو تحريضا أو دعاية فان تنحي الثقافة والفكر والعراقيين عن هذا الميدان يفقر ويضعف القدرة على التحول السلس إلى دولة القانون. ان هذا التحول الأخير يرتبط بالدرجة الأساس بقناعات الإنسان العام ولا تستطيع أية قوة على الأرض إلا قناعات هذا الإنسان في ان تبزغ إلى الوجود الدولة العراقية الحرة القانونية الخادمة لمواطنيها. ومن الصعب بل والمحير ان يثبت الإنسان العادي في العراق كفاءته وعفويته أكثر من المثقفين.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home عراقيات صورة مشــتهاة لعراق “آخر”
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة