مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

شبهة الدولة وكذبة الثقافة PDF طباعة أرسل لصديقك

الشيخ محمد الساعدي

طلبت مني صحيفة المنتدى بشخص الأخ الفاضل الأستاذ جمعة عبد الله متفضلة ومشكورة كتابة بحث مقارن حول التجربة الماليزية وإمكان مقاربتها مع التجربة العراقية. كنت أظن في البداية ان الأمر سهل يسير لا يتعدى صياغات نظرية مقارنة لأمور معروفة ومتداولة. عمدت بعدها إلى محاولة جمع بعض الإحصاءات حول هذه التجربة الماليزية. شعرت بعدها بارتباك شديد وشعور نفسي لا استطيع وصفه بسهولة. لقد عادت بي تلك الإحصاءات إلى صعوبات يسميها علم المنطق "صعوبة البرهنة على البديهيات". فإذا كان امرأ ما يرقى إلى مستوى البديهة فكيف يمكن البرهنة عليه. والأخص من ذلك طبيعة الذي يملي عليك البرهنة وشروطها.


والبديهيات الضاغطة التي أعادتها تجربة الإحصاءات الماليزية هي الشعور بالضغط النفسي إزاء فكرة ان يتطور الماليزيون ويتأخر العراقيون بهذا الفارق المريع. لقد أعاد بعض العلماء والباحثين من الغرب وتلامذتهم المشرقيين الأمر إلى أصول الخلقة أو ما يسمى اليوم بعلوم الجينات المنتقلة. ووجدت نفسي أقع في جحيم هذا التفكير بعد الخوض في عوالم هذه الأرقام واسأل نفسي سؤالا بسيطا وساذجا مستحضرا أشكالا ماليزية مرت على ذاكرتي في التلفاز أو في المجلات تطلق أسئلة حول ما الذي يجعل من هذا الماليزي ذي الشكل المحايد والبسيط ان يبدع هذه الحضارة المنتمية إلى حداثة الغرب والمحافظة على جوهر الدين الإسلامي؟ وما الذي يجعل من هذا العراقي ذي الشكل المتحفز واللسان الطويل والعيون البراقة ينكص ويفشل عن ابسط واجباته في إدامة سر الحياة والالتقاء بتاريخ أجداده العظماء أو الانفتاح على الحسن والأمثل في تجربة الغرب الحديث. وجدت نفسي أخيرا منهكا وغير قادر على التعامل مع عوالم من الأرقام والإحصاء فطفقت ابحث عن السر فيما اعتقده أكثر جدوى واقل حسرة وألما.
وكأني وجدت السر في منطق الاستعارة والتوصيف. وكي لا أشكل على إخوتي من قراء صحيفتنا المفضلة المنتدى فما يعنيه الاستعارة والتوصيف هو مشكلة اللغة في علاقتها مع الواقع. فاللغة التي نستخدمها في حياتنا اليومية الآن تتحدث عن الدولة والمؤسسات وعن الثقافة وثمرات الفكر وغيرها. وكل هذا الكلام صحيح بمعنيين الأول هو التوصيف اللغوي والثاني هو الدلالة الغربية. وعندما نعود إلى ذواتنا وتنظيماتنا الاجتماعية والسياسية والدينية نقف على أسئلة حيرى من الفراغ اللامتناهي ومن الضعف المريع في تماسك هذه الأنظمة وقدرتها التعبير عن مشروع إنساني يحتضن طموحات الإنسان الروحية والمادية ويرقى بالمجتمعات إلى مستوى الفضيلة والكرامة كما يحدث بالنص في ماليزيا.
مشكلة الاستعارة أنها توقع في وهم يبنى على أساسه مجموعة من التصورات السقيمة وغير الدالة. فالحقيقة ان مجتمع القبائل والمدن غير المتعاقدة والمنصهرة لا يمكن ان يسمى دولة إلا بحدود الوصف أو وجود سلطة متغلبة يهمها ان يكون لهذه القبائل والمدن اسم الدولة. نعم يمكن ان يكون لهذه الدولة وزارة للخارجية وفريقا لكرة القدم وعشرات الصحف إلا أنها تفتقد أساسها وشرط وجودها الرئيس والحاسم وهو ان تمتد داخل الإحساس الروحي للإنسان الفرد. فهذا الفرد العراقي لا يشعر بالدولة إلا بمعنى السلطة التي ترهقه في التجنيد الإجباري أو سرقة الحاصلات كما في العصر العثماني أو في قوة أمنها وسطوة عسسها مع مقايضته ببعض الخدمات كما في السلطات التي أعقبت الدولة العثمانية. وهذا الفرد نفسه لا يبحث عن الدولة. لقد تعود حياة الفوضى والملق واحترف الرياء في حياته الاجتماعية وتدثر برداء سميك من التدين الذي يطلق عليه شيخنا المرحوم محمد الغزالي التدين المغشوش.
والثقافة هذه الكذبة الكبرى التي تشرع لها الأقلام وتقام حولها الندوات ويحرق في أطرافها البخور فإنها بلا مربط ولا فرس. فإذا جمعنا الثقافة العربية المعاصرة والقينا نصوصها في البحر ما الذي يخسره العقل العربي من هذه الفعلة المشتهاة؟ اعتقد ان الكسب سيكون تخففا من أعباء هذا الغثاء الذي يملأ أسماعنا ولا يستطيع النفاذ إلى أرواحنا وعقولنا.
إن السر الغربي في أنظمة الدولة الحديثة يكمن في التناغم العميق والمستمر بين الثقافة والإنسان العام. بل ان هذا الإنسان العام يشكل الدافع والحافز لأكثر النتاجات أهمية وخطورة في فكر الغرب الفلسفي أو الفني أو الاجتماعي فضلا عن الأنظمة الحقوقية والسياسية. أما الوجود المستعار لدولنا الشرقية ولدولة مثل العراق فان هذه الثقافة تعمي مجموعة من المبهورين باللغة وآدابها وفنونها يتحلقون حولها كما يتحلق من يشعر بالبرد حول المدفأة ثم يستغني عنها بعد زوال السبب فهذه الثقافة ليست فعلا يرتبط بالتاريخ ولا يتجه إلى المستقبل. انه مشاغل متناثرة في حاضر لا يدل سوى على فشله وتفريطه.
والحال ان المأزق لا يكمن في هذه الدولة ولا في تلك الثقافة لان جميع الفاعلين قد تواطؤا على نظام للتسمية يسمح بـ"تمرير" الحلول المؤقتة وتجميد الزمن مرة بالنظام الإيديولوجي وأخرى بالنظام الثوري وقبلها بالخلافة العثمانية سوى نظرية الدولة التي تعني إثمار الثقافة وحرثها للعقول والضمائر واستخراجها من هذا الحرث نبتا يمثل رأيا عاما له قوة الإلزام في المؤسسات التي ينشؤها القانونية منها والسياسية وما حولها من تعبيرات فنية أو أدبية وحتى دينية.
تخرج المطابع العراقية عشرات بل مئات الكتب كما المجلات والجرائد. وإذا استثنينا المتعة التي قد تدخلها المجلات والجرائد والبهجة التي يمكن ان تثيرها في نفوس محبي الرياضة أو متصيدي أخبار الفنانين والفنانات فان الباقي من حصيلة الثقافة لا يوازي كميات الورق وجهود الطباعة وعمل الناقلين والمشاركين الآخرين. فلا صلة مهمة وحقيقية بين هذا المرصوص اللغوي في هذه الكتب وبين الواقع المستعار لهذه الدولة. ودون ان تدرك هذه النتاجات تلك العلاقة المموهة فلن تزيد الأمر إلا سوءا على خراب. فبالمقارنة بين انعكاس المجتمع العربي الإسلامي في شعر المتنبي كأعظم شاعر عربي وانعكاس المجتمع الانكليزي في أدب شكسبير قد نقف على حقيقة الأزمة التاريخية للثقافة وصلتها بالتنظيمات الاجتماعية. فشخوص شكسبير ليسوا أكياسا من النقود أو مانحين للهبات والإقطاعيات. فهم ملوك وقادة وأفراد عاديون ونساء خائنات وأخريات شريفات وكلهم داخلين في أنظمة من العلاقات الاجتماعية تعبر عن المجتمع الانكليزي في القرون الوسطى وبداية انبثاق ما بعد هذه القرون. أما أدب المتنبي بجلاله وعظمة السبك وقوة اللغة فانه يعبر عن نماذج محددة لا تلتقي إلا بحدود إشارات دالة على وضعيات مغلقة. فثنائية المادح والممدوح أو تقليدية أغراض الشعر جعلت من أعظم شاعر عربي على مر العصور يقف على أبواب الحكمة يطرقها حالما ييأس من كيس النقود أو وعد بتأميره على قرية من قرى الإمبراطورية المترامية الأطراف. لقد تعاطى شكسبير مع المجتمع الانكليزي بعفوية إنسانية وتخطيط فكري افتقدته عبقرية المتنبي.
على ان أسوأ نماذج الاستعارة هو الذي استمكن وتحكم في عمل الجامعات ومؤسسات التعليم الحديثة. لقد أنتجت لنا هذه المؤسسات متخرجين يلقون الرعب في نفوس من يقابلهم. أما أساتذتهم الذين يحملون "شارة" الدكتوراه فهم الأكثر رعبا. وأمام هذا الجيل من المتخرجين الذين سيمسكون بمقاليد الدولة ويكونون ضمير المجتمع فنحن إزاء واقع مستعار شديد الإيغال في نموذجه الاستعاري وفي ضعف صياغاته لمعاني الوجود الحق.
ان الوجود الحق ليس مصطلحا معياريا أو موضوعا أخلاقيا فقط بل شرطه الرئيس ان يكون اختمارا لفكرة الأبنية المعبرة عن مصالح الناس برضاهم وبجهودهم. ذلك بساطة ما فعلته الدساتير والثورات الدستورية وهو عين ما تفعله الصياغات الديمقراطية بمبدأ تداول السلطة ونظرية المواطنة في الأنظمة الحديثة. ولا يمكن في هذا المسار الطويل من التيه المعرفي والسياسي الركون إلى ملامح معينة للمستقبل يمكن رؤيتها والبناء عليها. بيد ان القاعدة "الإحصائية والنظرية" قد تعطي أملا ليس بمستطاع الواقع إنتاجه أو التبشير به. فبلغة المنطق مرة أخرى لا يمثل الكل صفات مجموع أجزائه بمعنى ان مستقبل العراق لا يتمثل بمجموع القصور السياسي الواضح والأمية الجامعية وتعثر مشروع الدولة فضلا عن عزلة الفرد وسلبيته وأخلاق النفاق التي تملكته. فسبيكة المستقبل بحكم المنطق المشار ان تجمع أفضل ما في هذه المكونات حتى يبدو هذا الكل المستقبلي خارجا من كهوف مكوناته الجزئية القاصرة والمنهكة.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home عراقيات شبهة الدولة وكذبة الثقافة
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة