مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

العراق المهاجر PDF طباعة أرسل لصديقك

 خيري منصور

إذا صحت الإحصاءات حول هجرة العراقيين وهي خمسة ملايين عراقي ينتشرون في ثمانين دولة فإن ثلث هذا الشعب يعيش خارج بلاده وفي مختلف المنافي، وقد يحمل هؤلاء اسم لاجئين ما دامت هناك مفوضية تابعة للأمم المتحدة تحمل اسم مفوضية اللاجئين، لكن أغلبهم يرفض هذه التسمية، فالمهجر غير المهاجر واللاجئ غير الذي حمل أطفاله على كتفيه وفرّ بهم من الجحيم ولو إلى حين.
والعراقيون عرفوا بنزعة رومانسية مضادة للهجرة لشدة تعلقهم بتراب أرضهم وتاريخها، ونذكر للمثال فقط أن ما كتبه الشاعر الراحل بدر شاكر السياب على بعد أميال فقط من مسقط رأسه في جيكور يعتبر نموذجاً في أدب الحنين، فقد قال إن الشمس في بلاده هي الأجمل وكذلك الظلام، لأنه يحتضن العراق، وقال بدر وهو يئن تحت صليب المنفى:
غنيت تربتك الحبيبة

وحملتها فأنا المسيح يجرّ في المنفى صَلَيبه

وما ينشـــر عن أحوال المهاجرين العراقيين في العالم العربي وسائر بقاع الدنيا يبين للعالم حجــم الكارثة التي حلت ببلاد ما بين النهرين بعد أن تحولت بفعل الظــروف الصعبة وإفرازاتها إلى بلاد مــا بين نارين، فما كان مبتلاً يقطر منه الندى أصبح ناشفاً كالهشــيم بحيث تكفي رصاصــة واحدة لإشعال النار فيه، ما الذي جناه العراق والعراقيون لكي يعاقبوا بهذا العقاب الجــماعي؟
فقد دفع الثمن حتى من لم يكن له ناقة أو بعير في هذه الدراما المزمنة، وثمة جيل ولد في أشق لحظات التاريخ وأثقلها فلم يعرف الطفولة لأنها سرقت منه، ولم يلثغ بأول الحروف من اسم النخلة أو القمح أو الياسمين، بل لثغ بأول حرف من اسم صاروخ أو دبابة أو قنبلة، بحيث تحول العراق كله إلى كمين، وما من عينين عراقيتين لم تذرفا الدمع وأحياناً الدم على من فقدوا، فالحروب مستمرة منذ ثلاثين عاماً، وليل العراق أطول من أي ليل لأنه غالباً ما يكون بلا كهرباء، حتى القمر والنجوم في سمائه الصافية حجبهما الدخان والغبار.
وأقسى ما في المشهد العراقي الذي يتخـــطى أي توصيف مهما ادعى الدقة والشمول هو تحول أخبار العراق إلى شيء يومي مألوف، بحيث تتم المقارنات فقط بين أعداد الضحايا، ومـــثلما تحولت الأفراح والأعراس إلى مآتم بعدما قصفت سهواً كما يقال هكذا تحولت المآتم أيضــــــاً إلى مقابر جــماعية، وكــلما هدأ العراق يوماً أو بعض يوم عاد ثانية إلى المتوالية الدموية، التي لا تعرف الاستثناء، لأن الموت في مثل هــذه الفوضى غير الخلاقة بل المدمرة والانتحارية يشمل الجميع، ولا ينجو منه حتى من يدبرونه ويحشــون البنادق بالرصاص.
هل كان المطلوب هو إخراج العراق من العراق؟ أو إعادته إلى القرن التاسع عشر إن المسألة العراقية، في بعدها الأخلاقي على الأقل ندبة عميقة في جبين كوكبنا اللامبالي والذي أصبح يدار بالعصا أكثر مما يدور من تلقاء ذاته.
وإذا كان المقصود انتظار من تبقى من العراقيين لمغادرة العراق، فإن هدف تلك الحرب (التي سببها النظام السابق) سوف يتضح على نحو لا يقبل أي التباس، والبلد الذي يهاجر ثلث سكانه هرباً من جحيمه لا يشعر الثلثان الباقيان فيه بالأمان، فكم من الهجرة والموت والدمار ننتظر كي لا نعامل نشرة الأخبار عن العراق كما نعامل النشرة الجوية أو ما هو دون ذلك؟

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home عراقيات العراق المهاجر
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة