مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

تهذيب اللهجة العراقية PDF طباعة أرسل لصديقك

حميد الهاشمي

لا يمكن نكران حقيقة اللهجة المحلية لأية منطقة أو أية إقليم، رغم وجود لغة رسمية (standard)، ومهما كانت أهمية تلك اللغة كالعربية، التي تعتبر لغة القرآن الكريم والتاريخ والهوية المشتركة للعرب. فاللهجة المحلية هي الجانب الشفهي للحياة الاجتماعية اليومية والتراث والثقافة الشعبية. فهي واقع ثقافي واجتماعي قائم لا يمكن تغييره. ولكن يمكن "تهذيبه" بما يسمح له أن يكون ساندا ورافدا للغة الفصحى ومصدرا من مصادر شيوع الثقافة الشعبية وترقيتها وإيصالها إلى مديات أبعد من نطاق محليتها الضيقة، خاصة في ظل التواصل الإعلامي الكثيف وتعدد قنواته الفضائيات وشبكة الانترنت بما تحتويه من مواقع ومنتديات وصحف الكترونية تحفل بملايين المواد المرئية والصوتية والمقروءة.


وكنموذج لهذه الحالة فإننا نرى أن اللهجة العراقية "المكتوبة" باتت اليوم بأمس الحاجة إلى تشذيب وتهذيب يرتقي بها إلى صف المقاربة مع اللغة العربية الفصحى ونعود لنؤكد أننا نقصد هنا اللهجة "المكتوبة"، وليست المنطوقة. فتغيير اللهجة المنطوقة أمر صعب، ولعل ارتفاع نسبة التعليم وانتشار وسائل الإعلام وزيادة التواصل مع الثقافات الأخرى ولو المجاورة هي الكفيلة بأن تعدل منها.
لقد اشتهر العراق بإنجاب آلاف المفكرين والمبدعين البارزين في مجالات الفكر والثقافة منذ فجر تاريخه، ومازال يسمع ويقرأ ويشاهد نتاجه الفكري سواء بالعربية الفصحى أو باللغات المحلية الأخرى أو حتى باللهجة الشعبية العراقية، مع ملاحظة أن هناك لهجات فرعية عراقية متعددة لكنها لا تختلف كثيرا عن بعضها سوى في بعض المصطلحات ونطق بعض المفردات.
إن اللهجة الشعبية العراقية هي الحاضنة الحقيقية للتراث والحكمة الشعبية العراقية خاصة في مجالات الشعر الشعبي والأمثال الشعبية والألغاز والأحاجي الشعبية وما إلى ذلك. وقد أعتيد أن تكتب في مراحل تاريخنا المتأخرة خاصة بطريقة التدوين الحرفي أي حيثما يلفظ يكتب سواء من ناحية اللكنة أو حتى الحرف الأعجمي. فـ(ك) المؤنث بالعربية تقلب (ج) أعجمية وهي أمر شائع في الخليج العربي وبعض مناطق بلاد الشام الكبرى أيضا. في حين أن معظم البلدان العربية تقريبا (خاصة المشرق منها) قد تجاوزت هذه المشكلة من خلال تدوين اللهجة الشعبية بـ(حروف عربية). وقد اشرنا في مقال سابق إلى هذه المسألة كإشكالية تواجه اللغة العربية. فمن الأسماء مثلا: مطلق، شاعت كتابته في العراق (مطلك) بتوظيف الكاف الأعجمية بحسب لفظه. اللفظ هو هو سواء في المشرق أو المغرب العربي إلا من بعض الاستثناءات لكن شكل الكتابة اختلف. ونفس الشيء مع قاصد (كاصد) وكاسب (جاسب) وعقلة (عكلة)...الخ. أما من الشعر الشعبي فاغلبه جميل ومستساغ ومفهوم إلى حد ما لدى المستمع العربي عامة حينما يسمعه، لكن الأمر يبدو مثل أحجية حينما يقرأه، أو قد يفهم معناه بشكل مغاير إلى حد بعيد.
خذ مثلا بعض أبيات الشاعر الكبير مظفر النواب:
خضري يروحي اعله بختج
هذا آخر شوك عدنه
خضري وانطي شما بحيلج
من ورد جايتنه مزنة
نكتفي بهذين البيتين الجميلين من القصيدة ولنتأمل، كعراقيين، هل يستطيع أي قارئ عربي أن يفهمها مثلما نفهمها نحن العراقيين؟؟
لنعد صياغتها أو كتابتها بالشكل الذي نهدف إليه في مقالتنا هذه، وذلك من خلال إزالة لبس الإشكاليتين الرئيستين وهما: اولاً الكتابة باللفظ العامي المفرط، حيث يتغير شكل الكلمة أو أملاؤها وثانياً إبدال الحروف الأعجمية بحروف عربية، لنعمل مقاربة مع الفصحى أو اللغة السلسلة التي يفهمها قارئ العربية، ليكون البيتان بالشكل التالي:
خضري يروحي على بختك
هذا آخر شوق عدنا
خضري وانطي شما بحيلك
من ورد جايتنا مزنة
من المؤكد أن البيتين الآن قد أصبحا أكثر وضوحا للقارئ اللهم إلا توضيح بعض المفردات مثل:
شما: شو ما= كلما
مزنة= زخة المطر
قد يعتبر البعض أن في هذا تشويها للشعر الشعبي العراقي وذائقته، ولكن نقول أن بإمكان قارئ هذا النوع من الشعر من العراقيين ومتذوقيه أن يقرأوه بنفس طريقة لفظه حيث يتم إبدال الحروف افتراضيا، وهذا لا يفسد معناه ولا عمليه تذوقه.
هنا مثال آخر لتشوه المعنى نتيجة التدوين الخاطئ الذي شاع، حيث يفقد المكتوب معناه ويتيه قارئه من غير العراقيين أو ربما حتى من بعض العراقيين.
بعض الأبيات من قصيدة جميلة لشاعر شعبي كبير هو عريان السيد خلف:
جملني بعد كطره وخذني وياك
هناك الفيض كلبك
وتنشدني اعله كلبي
كلبي حب وذاب
ياكلبي حلك تنور لو سرداب؟
لقد قمت بعرض هذه الأبيات على صديق غير عراقي من جنسية عربية أخرى وطلبت منه أن يقرأه ويفسره لي. فتلكأ بقراءته طبعا ثم أعطاني التفسير التالي بما مضمونه: (زادني حلاوة وخذني معك، هناك الفيض كلبك (قصد هنا الحيوان الكلب dog). وأكمل التفسير: وتسألني عله كلبي (كلبه لديه مرض)، كلبه حب وذاب. وأجمل لي ما فهمه على أن هناك شخصا يحب كلبه (الحيوان الوفي) حبا جما، بل ويذوب بحبه.
وبعد أن استبدلت الحروف بالطريقة المقترحة بنفس ما سبق مع أبيات مظفر النواب وبالشكل التالي:
كملني بعد قطرة وخذني وياك
هناك الفيض قلبك
وتنشدني على قلبي
قلبي حب وذاب
ياقلبي حلق تنور لو سرداب؟
وهنا أعاد قراءته وأعاد تفسيره وفق التعديل بحيث أصبح مفهوما تماما، بل ولام الشعراء الشعبيين العراقيين لعدم تدوينهم لشعرهم بهذه الطريقة المقربة إلى الفصحى بحيث يسهل فهمه فينتشر أكثر وتتسع شهرتهم أبعد من حدود بلدهم.
نكتفي بهذه الأمثلة ولا نخوض فيما يكتب على مواقع الانترنت والمنتديات التي يكتب فيها عراقيون، فهناك العجب مما يشبه اللهجة العراقية وليس لهجة عراقية، فهناك المكتوب مثل المنطوق تقريبا، حيث الإدغام وحذف الحروف أو قلبها، فضلا عن الأخطاء الطباعية والإملائية والنحوية وما إلى ذلك.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home عراقيات تهذيب اللهجة العراقية
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة